3
لقد بدا واضحا خطورة فصل العلم كمضامين وأجهزة ورموز عن علاقته بالحياة والثقافة بمعناها الشامل، ولعل هذا ما تمخض عما يسود الآن من ضرورة أن يدرس طلبة العلوم مادة إنسانية ويدرس طلبة الإنسانيات مادة علمية، كما كان يحلم كليفورد.
لقد أدرك كليفورد في وقت مبكر قدرة تاريخ العلم على الإسهام في رأب الصدع بين الثقافتين وضرورة أنسنة الظاهرة العلمية - أي الوعي بها كظاهرة إنسانية في عالم الإنسان ومن صنع الإنسان - عن طريق العناية بتاريخ العلم، لكن نظرا لرحيل كليفورد المبكر وفي قلب أجواء القرن التاسع عشر التي همشت تاريخ العلم، فإن هذه القضية لم تلق الاستجابة إلا في القرن العشرين.
إذن نخلص من كل ما سبق إلى أن العلم - وهو الابن النجيب والأثير للتاريخ الإنساني - ظل تاريخه لا يلقى ما يستحقه من الاهتمام حتى نهايات القرن التاسع عشر.
أما في القرن العشرين فقد لفتت وقائع الحرب العالمية الانتباه إلى خطورة العلم وتأثيراته الحاسمة في المنظومة الحضارية، وبدأ الاهتمام بتاريخه يتكثف ويتعين أكثر وأكثر ، ولأسباب كثيرة معظمها يتعلق بطبيعة موضوع البحث وأساليب دراسته ومناهجه المشتبكة بتطور العقل وتفاعل الأفكار والمقولات وعلاقة الإنسان بالطبيعة ... لأسباب كثيرة ارتبط تاريخ العلم ارتباطا وشائجيا خاصا بالفلسفة، وتعلم المعنيون به من أهل الفلسفة هذا التعاطف الحميم مع مفكري الماضي، ومحاولة تفهم موقفهم المعرفي، فتشكلت معالم مبحث تاريخ العلم كتيار متميز ومتخصص في السياق المعرفي.
وكان هذا بفضل الجهود الجبارة لرواد عظام، على رأسهم جورج سارتون
G. Sarton
مؤسس تاريخ العلم في أمريكا، والأب الروحي لجعله مبحثا نظاميا أكاديميا في القرن العشرين، ومجالا لنشاط جمعي تعاوني.
فقد آمن جورج سارتون بأهمية تاريخ العلم كما لم يؤمن أحد من قبل، ورآه ضرورة علمية وضرورة تربوية وضرورة ثقافية في آن واحد، فأكد أن الطريق إلى تأسيس الجهد العلمي بأن نلقحه بشيء من الروح التاريخية، فكيف يجهل العالم أصول أفكاره وكيفية تخلقها وجهد السابقين العظام الذين يقف على أكتافهم؟! أما بالنسبة للطلبة فلا جدال طبعا في أهمية تدريس العلوم وقيمتها العملية، ولكنها تفقد كل قيمة تربوية لها، بل تصبح مضرة إن قدمت للدارسين كمعرفة بلا تاريخ، وفضلا عن هذا وذاك، كان تاريخ العلم عند سارتون أيضا ضرورة ثقافية؛ لأنه القادر على رأب الصدع بين العلوم الطبيعية وبين النزعة الإنسانية «وهذه أشأم معركة عرفتها البشرية»،
4
كما لاح لوليم كليفورد من قبل، وكما أكد لورد سنو من بعد، وشرع جورج سارتون في ترسيم معالم النزعة الإنسانية الجديدة، حيث يتضافر العلم عن طريق تاريخه مع الدين والفلسفة والفنون والآداب ...
كان سارتون بلجيكيا، درس الفلسفة في جامعة غنت
Ghent ، ثم تحول إلى العلم وحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1911م، وله بحوث في الكيمياء، وأيضا قصائد شعر منشورة، وفي هذا الأفق العقلي الواسع، يبرز إعجاب سارتون بأوجست كونت
A. Comet (1798-1857م) وتنميطه الثلاثي لمراحل تطور العقل البشري من المرحلة الغيبية الدينية إلى المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية إلى المرحلة العلمية الوضعية التي تأتي في إثرهما لتتوجهما وتمثل التقدم المنشود، وقد قطع طريقا طويلا، فاقتنع سارتون بأن تاريخ العلم هو أساس كل تفكير علمي، وانكب على بحوثه الجادة في هذا المجال، وأصدر أول مجلة متخصصة في تاريخ العلم هي «إيزيس»
Isis
التي يصفها بأنها بالنسبة له «بمثابة الروح والمطمح والأمل»، صدر عددها الأول في مارس عام 1913م.
ثم هاجر سارتون إلى هولندا، ومنها إلى إنجلترا، وتزوج من فنانة تشكيلية إنجليزية، واستقر أخيرا في الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ عام 1916م راح يلقي محاضراته في جامعة هارفارد في الفلسفة، ثم في تاريخ العلم. ومنذ ذلك الحين فصاعدا وحتى الآن، وجامعة هارفارد العريقة أصبحت مشهورة ومتميزة بالاهتمام بتاريخ العلم وعمق وجدية أبحاثها فيه، حتى باتت قبلة المعنيين به.