تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أجل تشكك الغزالي ومالبرانش وأمثالهما في العلية، لكن كان هذا مقدمة لسحب الثقة من المعرفة الحسية والتجريب، إنه إنكار للترابط بين الأحداث والوقائع ليسفر إدراكنا الحسي لها عن ركام لا يفضي إلى شيء ولا تعود الحواس مصدرا للمعرفة. فكان إنكار العلية أداة في يد الراغبين في تقليص سطوة العلم التجريبي وهدم النظرية الحسية في المعرفة أصلا. وأتت خطورة هيوم من أنه أول فيلسوف علمي النزعة يشكك في العلية من أجل النظرية الحسية في المعرفة وبناء عليها وإخلاصا لها.

وقد كان هيوم شكاكا كبيرا، يرى أن منهج الشك هو الكفيل بأن يقي الفلسفة مغبة التطرف والحيود في هذا الاتجاه أو ذاك وسائر الأشكال غير الملائمة للتفلسف، يقول هيوم:

على أية حال هناك نوع واحد من الفلسفة يبدو أقل تعرضا لأن يكون بهذا الشكل غير الملائم؛ وذلك لأنه لا ينبثق عن نزوع أهوج للعقل الإنساني، ولا يمكن أن يختلط بأي ميل طبيعي أو وجدان، وتلك هي الفلسفة الأكاديمية أو الفلسفة الشكية، ودائما يتحدث الأكاديميون عن الشك وتعليق الحكم، وعن خطورة التحديدات الرعناء، وعن أن نحصر تساؤلات الفهم الإنساني في حدود ضيقة جدا، وعن إنكار كل التأملات التي لا تقع داخل حدود الحياة والممارسة المألوفة.

22

بهذا النبذ للميتافيزيقا - إذ تتجاوز تلك الحدود - راح يعرض كل شيء لمنظار الشك؛ لكي يتثبت من أنه مردود إلى انطباعات الحس، وإلا كان خرافة بلا معنى.

وكانت تحليلات هيوم قد انتهت إلى أن العلاقة العلية هي العلاقة الوحيدة التي تنقل الذهن إلى أبعد مما هو محسوس، إنها المبرر الوحيد للاستدلال على الوقائع،

23

ومع هذا راح يتشكك فيها ويفحصها متسائلا: على أي أساس نستنتج أن العلل المعينة سوف يكون لها بالضرورة تلك المعلولات المعينة؟ لماذا نستدل من إحداهما على الأخرى، وذلك هو التساؤل الذي اتخذ فيما بعد شكلا أكثر عمومية كالآتي: لماذا نخرج من الخبرة التجريبية الراهنة بأية استنتاجات تتجاوز الحالات الماضية التي مرت بخبرتنا؟ أي: لماذا نمارس الاستقراء؟ وهي الأسئلة التي لم نجد إجابة عليها، وأوضح هيوم أن أية إجابة لا بد أن تلتجئ إلى مبدأ عام - من قبيل العلية - يحكم بأن الحالات التي لم تمر بخبرتنا لا بد وأن تماثل تلك التي مرت، وأن مسار الطبيعة يسير دائما بصورة مطردة،

24

وقد رأينا آنفا أن مشكلة الاستقراء في جوهرها مشكلة العلية؛ لذلك لا يختلف الوضع حين نلاحظ أن هيوم لم يتعرض لمشكلة الاستقراء بصورة مباشرة، بل فقط أثار مشكلة العلية، وبينما نجد مصطلح «الاستقراء» شديد الحضور في كتابات بيكون، وأيضا جون لوك، فإنه لا يرد في كتابات ديفيد هيوم إلا لماما وعرضا، وبدلا من الاستقراء أو حجة التعميم، يستعمل هيوم مصطلحات من قبيل الاستدلال أو الحجج المحتملة أو التعقل من الخبرة، ثم تركزت في مصطلح الدليل البين والحجج المستنبطة.

25

ويستخدم هيوم هذه المصطلحات وسواها بالمغزى التجريبي المعروف عن فلسفته، وما كان ليشك لحظة واحدة في الحسية والتجريبية، بل يشك ليرد كل شيء إلى التجريبية، أو بمصطلحاته المتطرفة، إلى انطباعات الحس، ونحن لا نجد في انطباعات الحس أبدا هذه العلية، لا أحد رآها أو سمعها أو لمسها، إننا لا نلاحظ إلا تعاقبا بين الأحداث، أما العلية فهي ملاط غيبي لنربط بين هذه الأحداث، ولا مرد لها إلا العوامل السيكولوجية. إن العلية مجرد عادة نفسية! يقول هيوم في نص طويل نسبيا لنتبين مجمل حجته:

هب أن شخصا ما جيء به على حين غرة إلى هذا العالم، على أنه مزود بأمضى ملكات العقل والتفكير، حقا سيلاحظ للوهلة الأولى تتابعا متصلا للأشياء، وأن حادثة ما تعقب الأخرى، لكنه لن يستطيع البتة أن يستكشف أي شيء أبعد من هذا، وفي البداية لن يكون قادرا على الوصول إلى فكرة العلة والمعلول بأي شكل من أشكال التفكير، ما دامت القوى التي تحدث بفعلها سائر العمليات الطبيعية لا تظهر أبدا للحواس، وليس من المعقول أن يستنتج أنه ما دامت حادثة في مثال ما قد سبقت أخرى، فلا بد أن تكون الأولى علة والثانية معلولا، فقد يكون الارتباط بينهما جزافا أو عرضا عليا، وقد لا يكون ثمة ذريعة لأن يستدل على وجود واحدة من ظهور الأخرى، وبعبارة موجزة، فإن مثل هذا الشخص، بغير مزيد من الخبرة، يستحيل عليه أن يوظف حدسه أو تفكيره فيما يتعلق بأي أمر من أمور الواقع، أو أن يكون على ثقة من أي شيء يتجاوز ما هو حاضر حضورا مباشرا أمام ذاكرته وحواسه.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٧٨