أولا:
الاتجاه التجريبي - خصوصا الإمبيريقي - يرى أن العقل لا يعرف ولا يصل إلى المبادئ أو غيرها إلا عن طريق الاستقراء. الاستقراء مردود إلى العلية، والعلية بدورها توصلنا إليها - كما توصلنا إلى كل شيء في عقولنا - عن طريق التجريب. فالتجارب تدل على أن الظواهر ترتبط ببعضها ارتباطا ضروريا هو بلا شك ارتباط العلة بالمعلول. وعلى أساس العلية نقيم الاستقراء ومبدأه إقامة تجريبية، أبرز الممثلين لهذا الاتجاه جون ستيوارت مل، وسار وراءه معظم دراويش النزعة الاستقرائية.
بيد أن الدوران المنطقي هنا شديد الوضوح، تبرير الاستقراء - أي العلية - يبرره الاستقراء، التجريب الذي دلنا على العلية! فما زلنا في حاجة إلى مبدأ لتبرير الاستقراء وقفزته التعميمية.
ثانيا:
الاتجاه العقلي: يصدق أيضا على أن الاستقراء يستند على العلية، لكنه يجعلها مبدأ عقليا أوليا سابقا على التجربة كامنا في الذهن سلفا. إن مبدأ الاستقراء ومبرره - أي قانون العلية - ليس مشتقا من التجريب، ولكن هذا هو ما يعرف بالنزعة الأولانية
Apriorism ، أي المصادرة على مبادئ معينة بزعم أنها كامنة في الذهن سلفا، وما أيسر الالتجاء إلى هذا حين يستحيل العثور على مصدر أو تبرير معقول لتلك المبادئ.
وأبرز ممثلي هذا الاتجاه إيمانويل كانط، وأيضا برتراند رسل
B. Russell (1872-1970م)، وذهب رسل في تحليله لمنطق الترابط بين الأحداث إلى أن تصورات الحتمية والضرورة الكونية والعلية ليست قضايا تحمل خبرا محددا قد يكون صادقا أو كاذبا، بل هي مسألة دالة قضية أي صورة منطقية خاوية من المضمون، وبالتالي هي صورية سابقة على الخبرة التجريبية وليست مشتقة منها.
21
إن كانط ورسل فيلسوفان عملاقان بلا شك، لكنهما لم يثبتا العلية. ورسل بالذات - بحكم حداثته وأنه أدرك فلسفة العلم في القرن العشرين - انتهى من تحليلاته إلى أن الحتمية والضرورة والعلية دعاوى غير ذات بأس شديد. وعلى أية حال يصعب موافقة الاتجاه العقلي على أن قانون العلية كامن في الذهن سلفا؛ لأن المبادئ والقوانين العقلية لا تكون إلا تحصيل حاصل. العقل لا يستقل بنفسه إلا في العلوم الصورية التحليلية كالمنطق والرياضة، فيقتصر عمله على تحليل الرموز وإعادة تركيبها دون أن يأتينا بفتوى عن الواقع، أما قانون العلية فهو قضية إخبارية تركيبية بشأن العالم الواقعي، وقضية هائلة فكيف يكون العقل الخالص مصدرها كما ذهب كانط، وأيضا رسل في مراحل تفكيره الأسبق.
هكذا لا يمكن أن نجعل قانون العلية سابقا على الخبرة التجريبية - أي قبلها - كما يذهب العقليون، ولا أمكن أن نجعله بعدها، أي تاليا للخبرة ومشتقا منها كما ذهب التجريبيون.
نلاحظ مما سبق أن مشكلة الاستقراء في جوهرها هي مشكلة العلية ، وتتبدى خطورتها حين نجد العلية قائمة في التفكير العادي للحياة اليومية والتفكير الفلسفي والتفكير العلمي على السواء، اعتبرها المعلم الأول أرسطو ذات مبادئ أربعة هي الصورة والمادة والفاعل والغاية، قادرة على تفسير شامل للوجود بأسره. كان الإمام الغزالي سبق وشكك فيها، وتبعه الأب نيقولا مالبرانش في العصر الحديث، بينما كان ديكارت يعتبرها علاقة ضرورية. وعلمنا بيكون أنها تفسر طبائع الظواهر الطبيعية واطرادها، حتى قامت بهذا الدور الكبير في إبستمولوجيا العلم الحديث ومنهجه على السواء.
وأول متحد لقانون العلية في عصور العلم الحديث هو الفيلسوف المادي توماس هوبز، اتفق مع أستاذه بيكون في أن الحواس مصدر المعرفة، ثم أشار إلى أن الحواس لا تعطينا ذلك الكائن الغيبي المسمى بالعلية. لكن هوبز على الرغم من نزعته العلمية ومن ماديته، وأيضا على الرغم من تواضع قدراته الرياضية، كان مفتونا بالرياضيات وقوة الاستنباط الرياضي، ولم يتوقف كثيرا أمام التجريب ومشاكله، فكان أول متحد حقيقي ذي خطر لقانون العلية هو ديفيد هيوم الذي رأيناه يرد المعرفة إلى انطباعات الحس. لقد بدأ معه تاريخ مشكلة العلية في العلم الحديث.