تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بهذه التوجهات النقدية التطويرية نجد كلود برنار أقرب إلى فلاسفة المنهج في القرن العشرين منه إلى المعاصرين له. لقد كان فيلسوف علم عظيما، كما كان عالما عظيما شغل مناصب علمية رفيعة وحاز جوائز عديدة على كشوفه في الهضم والسموم والتخدير وسواها. ومع كل هذا النفاذ في نظرة برنار الميثودولوجية - أي المنهجية - كان يعمل في إطار تسليم عصره المطلق بالحتمية ووجهها الآخر وهو العلية الشاملة التي هي أساس التعميم الاستقرائي، وإذ يدخل الفرض في هذا الإطار يغدو قبوله مستندا أيضا على تعميم استقرائي، مما يعني أن مشكلة الاستقراء ما زالت ملحة، فما هي هذه المشكلة؟

ثالثا: مشكلة الاستقراء

رأينا كيف نشأت فلسفة العلم معنية بتبرير المعرفة العلمية، وأنها وجدت هذا التبرير في تقنين الانتقال من الملاحظات إلى النظرية العلمية، أي في حجة التعميم الاستقرائي التي هي في الوقت نفسه معيار يميز العلم ويرسم حدودا للمنشط المعرفي الذي يعطينا محتوى إخباريا عن العالم التجريبي الواقعي الذي نحيا فيه، فإذا كانت العبارة تعميما لوقائع مستقرأة من هذا العالم التجريبي فلا بد أنها إخبار عنه، هكذا حققت حجة التعميم الاستقرائي الهدف، فهي معيار يميز المعرفة العلمية كتبرير كاف لها.

ولكن ما هو تبرير التعميم الاستقرائي ذاته؟

إن العالم في معمله يلاحظ عددا محدودا من الحالات، مثلا القطعة (1) من الحديد تمددت بالحرارة ... القطعة (2) ... القطعة (3) ... القطعة (4) ... القطعة (ن) ... فيخرج بتعميم استقرائي: الحديد يتمدد بالحرارة. أو مثلا افترض باحث أن المضاد الحيوي «س» فعال في علاج التيفود، وجربه على المرضى الذين يعالجهم وهم عشرة أو عشرون أو حتى ألف، وهب أنهم شفوا جميعا، سيخرج بتعميم استقرائي: المضاد الحيوي «س» يشفي من التيفود، القانون العلمي طبعا عبارة عامة تحكم الحالة المطروحة للبحث بصفة كلية، وليس مجرد حصر أو تعداد ساذج لأمثلة لوحظت، إن العالم يلاحظ ويجرب على عدد من الوقائع الجزئية مهما كان كبيرا فهو عدد محدود، ثم يخرج منه بعبارة كلية تنطبق على كل الوقائع المماثلة في أي زمان ومكان.

والسؤال الآن: بأي مبرر يخرج من وقائع جزئية محدودة إلى قانون كلي عام؟ كيف يسحب الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ لماذا يفترض أن الوقائع التي لم يشاهدها تماثل تلك التي شاهدها؟ من أدرانا أن الحديد منذ مليون عام أو بعد ألف سنة أو على كوكب المريخ أو في مجرة أخرى يتمدد أيضا بالحرارة؟ ما الذي يضمن عدم وجود عينات من الحديد هنا أو هناك لا تتمدد بالحرارة ولم يصادفها الباحثون؟ مشكلة الاستقراء هي مشكلة تبرير القفزة التعميمية من عدد محدود من الوقائع التجريبية إلى قانون كلي عام، على أي أساس تمارس التعميم الاستقرائي وهو صلب عملية إنتاج المعرفة العلمية؟ «وهذا التساؤل ليس إثارة لكشف جديد، فأرسطو لاحظ الفارق بين الحجة الصورية المنطقية والحجة الاستقرائية التجريبية، وأن الأخيرة ليست مبرهنة،

20

ولكنه تساؤل اكتسب خطورة كبيرة لما تصدر العلم التجريبي مسيرة العرفان في العصر الحديث.

أول ما يتبادر إلى الذهن أن الاستقراء يمارس - كما أوضحنا - على أساس الحتمية والعلية والاطراد. والعلية بالذات هي اطراد التعاقب في الطبيعة وهي الوجه الآخر للحتمية التي افترض العلماء أنها تحكم عالم الظواهر. وبفضل الحتمية الكونية تغدو العلية شاملة لا تعرف استثناء ولا جوازا، وكما حكمت الوقائع الماثلة سوف تحكم كل الوقائع المماثلة. فيمكن تعميم ما لوحظ على ما لم يلاحظ. هكذا سلم فلاسفة العلم «بقانون العلية» كمبدأ للاستقراء نمارس على أساسه التجريب ونعمم الوقائع، وانقسموا في هذا إلى فريقين يعبران عن اتجاهي الفلسفة الأساسيين:

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٧٦