تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صحيح أنه من الواجب تسجيل نتائج التجربة بذهن خلا من الفروض وتجرد من الأفكار السابق تصورها، لكن واجب المجرب في الوقت نفسه أن يحذر العدول عن استخدام الفروض والأفكار، حين يكون الأمر خاصا بوضع التجربة أو تصور وسائل الملاحظة. وعلى المرء أن يفعل عكس هذا فيطلق لخياله العنان؛ ذلك أن الفكرة هي أصل كل استدلال واختراع، وإليها يرجع الفضل في البدء، ولا يجوز للمرء وأدها أو استبعادها، بحجة أنها قد تضر، وكل ما يقتضيه الأمر هو تنظيمها وإخضاعها لمقياس.

19

يشدد برنار على أهمية الفكرة والفرض، ويراها أسبق من التجريب، وقد تتولد عن الحدس أو العقل أو الشعور أو الملاحظات الإمبيريقية العامة، لكن الفرض هو الذي ننتقل منه إلى التجريب ونصمم التجربة على أساسه ولكي نختبره. الفكرة أو الفرض أسبق من التجريب وأيضا أهم منه، ويستشهد برنار بالعالم الطبيعي الفرنسي فرانسوا هوبر

Francois Huber

وهو أيضا من القرن التاسع عشر وترك أبحاثا وتجارب علمية جديرة بالإعجاب، على الرغم من كفاف بصره؛ إذ كان يتصور هذه التجارب ثم يعهد بتنفيذها إلى خادمه الذي كان خالي الذهن من أية فكرة علمية. فكان هوبر الذهن المدبر ينشئ التجارب ويديرها، ولكنه لكفاف بصره مضطر لاستعارة حواس غيره، يقول برنار إن الخادم يقوم بعمل الحواس المنفعلة التي تطيع العقل لتحقيق التجربة المنشأة تبعا لفكرة سابقة، إن الفرض هو العقل المدبر والتجارب هي الحواس التي تعمل تبعا للعقل وفي الإطار الذي يحدده.

يقول برنار إن الفروض حتى ولو كانت فاسدة تفيد في اهتدائنا إلى الاكتشافات، وينطبق هذا على جميع العلوم، فقد تأسس علم الكيمياء في محاولة العصور القديمة لتحقيق فرض فاسد هو تحويل المعادن إلى ذهب. الفروض فقط هي التي تمكننا من تجاوز الوقائع الحسية المحدودة والسير بالعلم قدما إلى الأمام. الفروض لا تفتح الطريق للتجارب الجديدة فقط، بل أيضا تجعلنا نكتشف وقائع جديدة ما كنا لنلحظها دون الفرض . ويشير برنار إلى أهمية العمليات المنطقية كالاستنباط والقياس، في العلوم التجريبية. الفرض قد يكون مستنبطا من نظرية، مع هذا لا بد دائما من التحقق التجريبي، أي إن الاتساق المنطقي لا يغني عن وقائع التجريب.

إن العالم ليس طفلا يجلس بين يدي الطبيعة ليتعلم منها ما تمليه عليه كما تومئ النظرة التي تغفل أهمية الفرض، بل هو - في رأي برنار - أشبه بقاض يحقق مع الطبيعة، وإن كان لا يواجه أفرادا يضللونه بالشهادات الكاذبة، بل يتناول ظواهر طبيعية أشبه بأشخاص يجهل لغتهم ويريد أن يعرف أغراضهم ومراميهم، وهو يستخدم من أجل ذلك كل ما يستطيعه من حيل، أو بعبارة أخرى يبدع قصارى ما يستطيعه من فروض، ما دامت ستخضع لمحكات التجريب.

وسوف نرى لاحقا أن دخول الفرض في منظومة المنهج التجريبي ليس مجرد عنصر أضيف، بل إيذانا بتغيير جذري في طبيعة المعرفة العلمية وفي علاقة العقل الإنساني بالعالم. إذا لم يكن التطوير النقدي للنزعة الاستقرائية مع برنار أمرا هينا، وله أيضا افتراقه البين عن أساسها الوضعي بما يمثل إضافة حقيقية، فقد حرصت الوضعية على أن تنعى الفلسفة وتعلن انتهاء عصرها بمجيء المرحلة العلمية الوضعية. أما كلود برنار فقد دافع عن الفلسفة والحاجة إليها بقوة. هناك فارق واضح بين الفلسفة والأدب وبين العلم، الفلسفة - بتعبير برنار - معبرة عن طموحات العقل البشري من حيث هو عقل في أي زمان ومكان، الأدب يعبر عن عواطف غير قابلة للتغير؛ لذلك فهما من آيات التراث الإنساني، تظل إلى الأبد جديرة بالبحث والدراسة. أما العلم فأمره مختلف، إنه يعبر عن وقائع تجريبية تكشفت أمام الباحث، ولما كانت هذه الوقائع في ازدياد مستمر كان العلم في تقدم مستمر، وعلم الأمس غير ذي جدوى اليوم لا ينبغي إهدار الوقت في كتب الأقدمين، وحتى الفروض والنظريات لا نهتم بها كثيرا، بل يكون البحث دوما في الوقائع ذاتها واليقظة لملاحظة كل ما يظهر ويستجد أثناء التجربة، فالعلم في صعود مستمر. ومع هذا الفلسفة والعلم كلاهما ضروري ومطلوب، وكلاهما مفيد للآخر، الفلسفة تضيف للعلم أبعادا فلسفية، والعلم يطامن من غرورها وتحليقها في آفاق المطلق - كما يرى برنار.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٧٥