16
وحتى النظريات نفسها يجب أن يزول الشك فيها بمجرد الوقوف على الحتمية التجريبية،
17
ومن السهل ملاحظة أن برنار بهذا ينقض نفسه، فما هو إذن الفارق بين العلماء والمدرسيين؟ طالما أن مبدأ الحتمية هو نقطة البدء المطلقة للعلماء والغير قابلة للشك.
وفي إطار مثل هذا التسليم بالحتمية، مبدأ الإبستمولوجيا دعا برنار إلى التجريب المقارن بين الوقائع ومحاولة تعيين الشدة العددية لها بمعنى تكميم الوقائع إذا أمكن. ومع هذا لم يرحب برنار كثيرا بإدخال الرياضيات في العلوم الحيوية؛ لأن الرياضيات الملائمة للتطبيق فيها هي الإحصاء وحساب الاحتمال التي تهز من دعائم الصورة الحتمية المكينة، وهذا هو بالضبط موقف أوجست كونت نفسه في علم الاجتماع، فقد أسماه في البداية «الفيزياء الاجتماعية»، حتى أخرج عالم الفلك البلجيكي المهتم بالاجتماع أودلف كيتليه كتابه «الفيزياء الاجتماعية 1869م»، حيث يعالج الظواهر الاجتماعية معالجة رياضية إحصائية دقيقة تأسيسا للعلم بها. فثار كونت، ومن أجل رفض الإحصاء وحساب الاحتمال ترك مصطلح «الفيزياء الاجتماعية» إلى «علم الاجتماع»، وسحقا للسمة واللغة الرياضية بجلال قدرها، فلا رياضة ولا فيزياء المهم علم حتمي بأي شكل كان ولندعوه علم الاجتماع. أجل سحقا لكل ما يمس الحتمية العلمية، وليس هذا تعبيرا إنشائيا بل دلاليا، فقد «أدان كونت المجهر؛ لأنه هدم الصورة البسيطة لقوانين الغازات»!
18
وقد رأينا النظرية الحركية للغازات من مواطن أزمة الفيزياء الكلاسيكية وبوادر الثورة على الحتمية.
وبهذا التمثل للإبستمولوجيا الكلاسيكية وحتميتها، انطلق كلود برنار من فلسفة العلم المواكبة لها والمتسقة معها، الوضعية والنزعة الاستقرائية، لم يرفض حجة التعميم الاستقرائي كما فعل هيوول، سلم بها ثم واصل المسير في طريقه النقدي، فأضاف إليها الفرض. وبفضل برنار استقر الفرض في منظومة المنهج الاستقرائي، ومنذ برنار فصاعدا أصبح منهج العلوم الإخبارية يقوم على دعامتين هما الفرض والتجريب.
لقد علمنا الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط أن النقد كمصطلح فلسفي لا يعني فقط تصيد الأخطاء، بل أيضا وقبلا سبر الإمكانيات وتعيين الحدود. وبهذا نتفهم تسليم برنار النقدي بالنزعة الاستقرائية، إنه يقبلها بمنحاها التبريري اللاتاريخي ثم يعين حدودها وقصوراتها. ومن أجل استئناف مسار البحث العلمي يصبح الفرض ضرورة، وفي هذا يميز برنار تمييزا قاطعا بين الملاحظة
observation ، والتجربة
experiment . إن الملاحظة إمبيريقية
empirical
أي تجريبية خالصة، وهي تمهيدية عامة بسيطة، تلاحظ الواقعة الغفل كما تحدث لجمع المعلومات بتعميم استقرائي مباشر، أما التجربة والبحوث التجريبية
experimental
فهي موجهة في إطار محدد ومسلحة بالأجهزة المعملية الدقيقة، تخلق الظواهر خلقا في المعمل، ويكون التعميم الاستقرائي نتيجة اختبار فرض. إذن الفارق الكبير بين الملاحظة والتجربة يعود إلى الفرض، يفرق برنار بين الطب الإمبيريقي القائم على الملاحظة ومحض تراكم وقائع الخبرة، وبين الطب التجريبي الذي يطمح في معرفة قوانين الجسم السليم والمريض، بحيث لا نتمكن من توقع حدوث الظواهر فحسب، بل نتمكن أيضا من تنظيمها وتعديلها في حدود معينة. الطب التجريبي هو العلمي حقا، هو القائم على الفرض مع التجربة، وكتاب برنار المذكور في المنهج بعنوان مقدمة أو مدخل إلى دراسة «الطب التجريبي»؛ إذن إثبات دور الفرض مرماه الأساسي.
بغير الفرض يكون الاستقراء منهجا إمبيريقيا للملاحظة فقط، وتكون النزعة الاستقرائية التقليدية التي تمسكت به هكذا، أي فلسفة إمبيريقية، فلسفة للملاحظة أكثر منها للتجربة، ربما تعبر عن مراحل تمهيدية في العلم، لكنها لا تكفي، فلا علم بغير فرض. هاجم برنار بشدة إغفالهم لقيمة الفرض وإفراط الإمام بيكون في التحذير منه ومن الأفكار المسبقة، وأوضح أنهم خلطوا بين ابتداع التجربة وبين تسجيل نتائجها، يقول برنار: