فقد كان جون ستيوارت مل متطرفا في تجريبيته حتى بلغ إيمانه بالاستقراء مبلغا لم يبلغه أحد من قبله ولا من بعده، فالاستقراء عنده الطريق الوحيد الذي لا طريق سواه، ليس فقط للمعرفة العلمية، بل أيضا لكل وأية معرفة صحيحة أو حقيقية. وباختصار كل مكونات الذهن ومحتوياته مجرد تعميمات استقرائية، لا يستثنى من ذلك شيء البتة، حتى قوانين الرياضة «2 + 2 = 4»، وقوانين الفكر الصورية مثلا «أ هو أ» ... كلها ليست إلا تعميمات استقرائية لكثرة ما لاحظته حواسنا من أن اقتران 2 و2 ينتج عنه دائما 4، ومن أن أ هي دائما أ، لم يكن الاستقراء عند مل مجرد منهج للعلم، بل هو أيضا منطق الحقيقة
Logic of truth .
أجل، كان مل معاصرا لمواطنه جورج بول
G. Boole (1815-1864م) الذي فجر ثورة المنطق الرياضية الرمزية، لكنه لم يشهدها وهي تؤتي أكلها في القرن العشرين. وفي أيام مل كان المنطق لا يزال هو المنطق الصوري الأرسطي. رفض مل المنطق الصوري بجملته وليس فقط قياساته العقيمة، قائلا: إنه منطق للاتساق وإقامة البرهان ... لذلك فهو استدلال ظاهري لا يتضمن أية إضافة ولا يناسب إلا الله الذي أحاط بكل شيء علما، فيستنبط من هذا العلم الشامل ما يريد. أما الإنسان فهو بحاجة إلى منطق يتعقب الحقيقة ويأتيه بمعرفة جديدة لن تكون إلا بالاستقراء؛
10
أي الاستدلال التجريبي الذي هو الاستدلال الحقيقي الوحيد. إن الاستقراء - كما يجزم مل - هو منطق العلم ومنطق العمل ومنطق التفكير ومنطق الحياة، والسبيل المعرفي الواحد والوحيد المثمر الذي يمتلكه الإنسان.
وفي هذا الإطار وضع مل أضخم وأهم كتبه «نسق المنطق 1843م»، محاولا تحقيق حلمه بأن يكون نبي الاستقراء مثلما كان أرسطو نبي القياس. وكما وضع أرسطو للقياس أشكالا وضروبا، وضع مل للاستقراء لوائح أو مناهج، ضمنها الكتاب الثالث من «نسق المنطق»، الفصول الثامن والتاسع والعاشر. إنها خمسة مناهج رآها مل جامعة مانعة لأساليب البحث التجريبي والعلمي، ولطرق التفكير المنتج إجمالا! خمسة مناهج هي وسيلة اكتشاف العلاقات العلية وإثباتها، وهي على النحو التالي: (1)
منهج الاتفاق
Method of Agreement : وينص على أنه إذا اتفق مثالان أو أكثر للظاهرة المطروحة للبحث في نفس الظرف، كان هذا الظرف الذي تتفق فيه كل الأمثلة علة لهذه الظاهرة، أو معلولا لها،
11
إنه منهج التلازم في الوقوع بين العلة والمعلول، ويستلزم جمع أكبر عدد ممكن من الحالات التي تبدو فيها الظاهرة، والمقارنة بين عناصرها، وتحديد ما هو السابق وما هو اللاحق، السابق هو العلة واللاحق هو المعلول.
وهذا المنهج يعبر عن طريقة شائعة الاستعمال في الحياة اليومية أكثر منها في البحوث العلمية، فالظواهر الطبيعية قد لا تكون بهذه البساطة بحيث يظهر دائما العامل الواحد الذي لا يتغير، وقد تتشابك الظروف وتختلط، ويظهر العنصر مع آخر من قبيل التصادف العرضي في الوقوع. (2)
منهج الاختلاف
Method of Difference : وينص على أنه إذا حدث مثالان تقع الظاهرة المطروحة للبحث في أحدهما ولا تقع في الآخر، واتفق المثالان في كل شيء ما عدا عامل واحد، كان هذا العامل المختلف فيه هو علة الظاهرة، أو معلولها، أو جزءا ضروريا من علتها، بحدوثه في المثال الأول حدثت الظاهرة، وبغيابه في الآخر غابت. إنه نوع من البرهان العكسي، وقد يحوي نفس قصور المنهج السابق فيكون اختلاف العاملين مجرد تصادف، بالإضافة إلى صعوبة تحقيقه، فاستبعاد العلة قد يعني استبعاد الظاهرة بأسرها، وإن كانت الوسائل التحليلية للبحث العلمي تستطيع التغلب على هذه الصعوبة.
على أية حال يعد هذا المنهج أقوى المناهج، وفكرته الأساسية خصبة للغاية وأساس نظريات منهجية حديثة في القرن العشرين، وإن كان بيكون قد أرسى أصوله بقائمة الغياب. (3)