منهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف
Joint Method of Agreement and Difference : وهو منهج يجمع بين الطريقتين السابقتين، فيكون أكثر فعالية من أيهما على حدة. إنه محاولة التحقق من ظهور المعلول بظهور العلة، واختفائه باختفائها، أو ما أسماه الإسلاميون دوران العلة مع معلولها وجودا وعدما. (4)
منهج البواقي
Method of Residue : وهو منهج لوضع الافتراض أكثر منه لتحقيقه، وينص على أنه إذا كان لدينا ظاهرة ما لها عدة عناصر، عرفناها بالعمليات الاستقرائية السابقة على أنها علة لمعاملات لاحقة معينة، فإن ما يتبقى من عناصر تلك الظاهرة هو علة لما تبقى من معلولاتها اللاحقة،
12
ونوه مل إلى أنه يعتبر هذا المنهج من مناهج التجريب بشيء من التجاوز؛ لأنه لا يستقل عن الاستنباط ثم يتطلب خبرات تجريبية، فضلا عن أنه يعتمد على ممارسات المناهج الثلاثة السابقة. إذن كان من الأليق أن يأتي هذا المنهج في مؤخرة قائمة المناهج، غير أن مل وضعها في «نسق المنطق» بهذا الترتيب. (5)
منهج التلازم في التغير
Method of Concomitant Variation : وهو يعني الكشف عن العلاقة الكمية بين العلة والمعلول، أي التناسب الطردي بين شدتيهما؛ لذلك فهو أدق المناهج؛ لأنه منهج للتكميم.
وضع جون ستيوارت مل هذه المناهج الخمسة ليلزم بها الباحث إلزاما، إن لم نقل ليلزم البشرية بأسرها طالما أن الاستقراء أسلوب المعرفة والتفكير المثمر الوحيد، ومل «لا يعرف ولا حتى يستطيع أن يتخيل مناهج سواها»!
13
ويعترف مل بفضل وليم هرشل
W. Herschel (1738-1822م)، وهو عالم فلكي، صنع بمعاونة شقيقته كارولين مرصدا يحوي مراقب «تلسكوبات» محسنة، فاكتشف عام 1781م كوكب أورانوس وأقماره وأيضا قمرين لزحل، ووضع كتابه «خطاب تمهيدي لدراسة الفلسفة الطبيعية
Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy »، حيث كان مصطلح الفلسفة الطبيعية في القرن الثامن عشر لا يزال يعني «العلوم الطبيعية»، ويعد هذا الكتاب من معالم تاريخ الاستقراء في صورته التقليدية ومحاولة صياغته كمنهج للعلم الحديث، وكانت صياغة مزيدة بثروة مستقاة من ممارسة العلوم الطبيعية. في هذا الكتاب وضع هرشل إرشادات تشبه مناهج مل، غير أن كليهما لم يزد كثيرا على منهج فرنسيس بيكون وإرشاداته؛ ذلك أن مل قال: إنه سيأتينا بأربعة مناهج، ثم أتانا بخمسة، وبعد أن شرحها ظل مصمما أنها أربعة! واختلف الباحثون أي المناهج هو الزائد وتمسك كل فريق بواحد منها، ولكن يمكن ملاحظة أن منهجي البواقي والتلازم في التغير يعتمدان على المناهج الثلاثة الأولى، وأن الثالث (منهج الجمع بين الاتفاق والاختلاف) مجرد ربط للمنهجين الأولين معا، وأن المنهج الثاني نفي أو عكس للأول، فلا يبقى إلا المنهج الأول وهو معروف منذ أن دعا بيكون إلى التجريب.
وفلسفة مل المنهجية بصفة عامة مليئة بأوجه القصور، فهو مثلا خلط بين اكتشاف الفروض أو ابتداعها وبين تأييدها، ودافع عن هذا بأن القانون العلمي ليس فرضا، بل حقيقة نريد أن نثبتها ومناهجه تثبت أنها فعلا قانون
14
مؤكدا بهذا خطأ بيكون في إغفال أهمية الفرض، وأقام مل بنيانه الضخم على أساس العلية ومن أجلها، ومع هذا لم يقف إزاءها موقفا فلسفيا للحظة واحدة، بل سلم بها كما يفعل الإنسان العادي، هل لأنها تقيم صلب العلم؟ فماذا بقي لفلسفته إذن؟ صرح مل بإمكانية رد معلول واحد إلى عدة علل، ومع هذا تجد منهجي الاتفاق والاختلاف يردان المعلول إلى علة واحدة ... ويمكن أن نستأنف المسير طويلا في تعداد المآخذ على نظرية مل المنهجية، خصوصا بسبب تطرف تجريبيته حتى بلغت حد التسطيح.
بيد أن هذا التطرف التجريبي ذاته هو الذي جعلها صلب النزعة الاستقرائية، وبنظرة واحدة نلاحظ كيف أنها تساير إبستمولوجيا العلم الكلاسيكي المطروحة في الفصل السابق؛ فقد كانت الروح العلمية آنذاك تنزع نحو التجريبية المتطرفة. وحين أتى عام 1850م كان هذا المنزع التجريبي مصوغا جيدا بفضل جون ستيوارت مل وكتابه «نسق المنطق» إنه النزعة الاستقرائية التي أفلح مل في تأكيدها حين أسهب في تبيان أن كل المفاهيم العلمية يجب أن ترتد إلى دوال قابلة للملاحظة عن طريق الاستقراء الذي تنشأ عنه النظرية العلمية، والاستقراء يستند على العلية العامة التي لا تعدو أن تكون اطراد التعاقب في الطبيعة؛ لذلك يقوم منهج العلم على تعميم الوقائع الملاحظة، وسار خلف مل جمع غفير من فلاسفة العلم ذوي المنزع الوضعي، تواصلت مسيرتهم حتى بلغت النصف الثاني من القرن العشرين، بدا هؤلاء - أصحاب النزعة الاستقرائية - وكأنهم المعبرون الشرعيون عن العلم وفلسفته، على الرغم من أن تجريبيتهم الحادة فجة ومباشرة، لا تولي اعتبارا كافيا لدور العقل الإنساني في ملحمة العلم المجيدة، فضلا عن أنها ملغومة بمشكلة الاستقراء ... أشهر مشكلات فلسفة العلم.