9
فتراجعت نظرية هيوول الأكثر نفاذا واستبصارا التي تقرر دور العقل الإنساني المحوري في الإنجاز العلمي، مثلما تراجعت رؤيته لفلسفة العلم المسلحة بتاريخه، وساد الاتجاه المقابل لأصحاب النزعة الاستقرائية التبريرية اللاتاريخية. إنهم التجريبيون المتطرفون، وقد التفوا حول علم أعلام فلسفة العلم آنذاك، جون ستيوارت مل، بكل ما ملكه من ألق اجتماعي ومقام رفيع يغرينا بأن نتعرف على شخصيته كمدخل لعرض فلسفته للعلم التي سادت.
لقد قيل: إن حياة جون ستيوارت مل
J. S. Mill (1806-1873م) تلخيص لمسار الأمة الإنجليزية في تلك الحقبة من العصر الفيكتوري - حكم الملكة فيكتوريا - الذي يعد من أزهى عصورها. وكان مل رفيع الخلق، جم الفضائل، مرهف المشاعر، وإذا كانت قدراته الإبداعية محدودة فإنه أنموذج للباحث الجاد والمفكر الملتزم، ومحل احترام وإكبار من الخصوم قبل الأنصار ومن الأعداء قبل الأصدقاء، وقد نشئ تنشئة خليقة بإخراجه هكذا، فأبوه جيمس مل (1773-1836م) من أعلام فلاسفة عصره، أدرك منذ نعومة أظفار ولده تألق قواه العقلية، فاستشعر المسئولية إزاء تربيته وتثقيفه وإعداده للمهام الفكرية، لم يأل الأب جهدا ولا وقتا من أجل هذا، وبلغ إحساسه بالمسئولية إزاء الطفل النجيب أن استبد به الخوف من أن توافيه المنية قبل أن يتم تنشئته، فأهاب بصديقه الفيلسوف الأبعد منه صيتا وأثرا جيرمي بنتام
J. Bantam (1748-1832م) بأن يشاركه العبء في حياته، وأن يتكفل بالفتى إن هو توفي، فرحب بنتام بهذا، غير أنه قضى نحبه قبل صديقه جيمس مل بأربع سنوات!
ومن جراء هذا نشأ الصبي بين طوفان من عوالم المعرفة، ينهل على عقليته بمنهجية وإحكام، فأتقن اليونانية قبل أن يتم عامه الثامن واطلع على تراثها الزاخر، وتراث الرومان. علم نفسه الرياضيات واتصل - طبعا - بمنجزات العلوم في عصره. قرأ كثيرا في التاريخ والقوانين وأصول التشريع والاقتصاد السياسي، وانتابته أزمة نفسية عنيفة في العشرين من عمره، خرج منها بأهمية الشعر والأدب. وبينما بدت الفلسفة الألمانية في نظره كتابا مغلقا بسبعة أختام لم يجد في نفسه أدنى رغبة لفضها، فتن فتنة شديدة بالحضارة الفرنسية وأتقن لغتها وتتبع منجزاتها، وكان كثير التردد على فرنسا. أمضى جون ستيوارت مل حياته في قصة حب رومانسية غريبة لليدي هارييت تيلور التي ما فتئ يعدد مناقبها وأياديها البيضاء على إنجازاته الفكرية. ظل أكثر من عشرين عاما ينتظرها، حتى توفي زوجها عام 1849م وتزوجها جون ستيوارت عام 1852م وبعد ست سنوات أسلمت الروح وكانا في فرنسا، فواراها التراب هناك واشترى منزلا بجوار قبرها المحبوب. كان صديقا لأوجست كونت، رفيقه في نفس المنطلقات. ألف مل عام 1865م كتابا عن فلسفته الوضعية وناصره بحماس في دعواه بضرورة إخضاع العلوم الاجتماعية للمنهج التجريبي.
كان جون ستيوارت مل قد عمل في مطلع حياته بشركة الهند الشرقية، وتدرج في مناصبها حتى وصل إلى أعلاها. ولما حلت الشركة عام 1858م وصار البرلمان الإنجليزي هو الذي يحكم الهند، وعم الفرح في إنجلترا بالجوهرة التي ظفر بها التاج البريطاني، كان مل - وهو عضو بالبرلمان في ذلك الوقت - من أعنف المهاجمين لهذا والمنددين بالاستغلال الوحشي للهند، والمطالبين بترك حكم الهند لأهلها! ولا غرو، فقد اقترن اسم مل بتمجيد الحرية واحترام رأي الفرد وحقوقه. ويعد كتابه «في الحرية 1859م» دستورا للنظام الديمقراطي للحكم في إطار ليبرالي. واتخذ في الأخلاق المذهب الذي ورثه عن أبيه وأستاذه بنتام، مذهب المنفعة العامة الذي يعني أن هدف القيم الأخلاقية هو تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. وفي النهاية أخرج مل كتابه «استعباد النساء 1869م» الذي يعد المقدمة الحقيقية لاستقلال المرأة في القرن العشرين. لقد عاش مل ملء الأسماع والأبصار، فهل ساعد هذا على التمكين للنزعة الاستقرائية؟!