والوعي التاريخي الذي سبق به هيوول فلسفة العلم في عصره، يتجلى بقوة في الكتاب الأول «تاريخ الأفكار العلمية» يقول: إنه عنوان فرضته طبيعة المادة المعروضة ومضمونها، وإنه استقى هذه المادة من صلب الأعمال الكبرى خلال تاريخ العلم وهو بصدد إعداد كتابه الأول «تاريخ العلوم الاستقرائية» الذي يعرض لتاريخ العلم بقدر ما هو معتمد على الوقائع والملاحظات، بينما «تاريخ الأفكار العلمية» يعرض لتاريخ العلم بقدر ما هو معتمد على الأفكار والمفاهيم والتصورات. ويوضح الكتاب أن مناقشة النظريات تهدف إلى جعلها متسقة مع شروط وظروف التفكير البشري. ومن ثم يناقش الكتاب تاريخ المفاهيم العلمية الكبرى كالمكان والزمان والعدد والحركة والعلة والقوة والمادة والوسط والكثافة والعنصر والانجذاب والجوهر والذرة والتماثل والمشابهة والأنواع والحياة والوظيفة والقوى الحيوية والعلل الغائية والعلة الأولى ... ويؤكد هيوول أن المناظرات حول التحديد الدقيق لهذه الأفكار أو المفاهيم وخصائصها ودورها تشكل القطاع الأساسي من تاريخ العلم وأيضا من فلسفته، ولن تكتمل أية فلسفة للعلم بدون أن تضع حلولا للإشكاليات والصعوبات والتناقضات التي تثيرها المناظرات حول هذه الأفكار والمفاهيم؛ لذلك حاول هيوول عبر صفحات الكتاب أن يوضح الأصول الباكرة لهذه المفاهيم وتطوراتها حتى وصولها إلى الأشكال التي اتخذتها في القرن التاسع عشر، موضحا ما بدا له من حل أمثل لكل إشكالية تثيرها تلك المناظرات، وقد تأدى به الأمر إلى التوغل أحيانا في أعماق الميتافيزيقا، مؤكدا أن مثل هذه الميتافيزيقا جزء جوهري من تقدم العلم،
7
في مواجهة الوضعية والنزعة الاستقرائية التي تقصف تماما الأبعاد الميتافيزيقية.
هكذا أعطانا وليم هيوول فلسفة للعلم قائمة على الوعي بتاريخه، مخالفا بهذا النزعة الاستقرائية التجريبية المتطرفة باتجاهها اللاتاريخي المقتصر على النسق العلمي كمنجز راهن. وبالتالي لا بد أن تكون نظرة هيوول للمنهج التجريبي مختلفة.
بداية سلم هيوول بناموس العصر: الاستقراء كما هو واضح من مجرد عناوين كتبه، لكن الوعي التاريخي الذي تسلح به جعل المنهج التجريبي معه - ولنقل الاستقراء - أكثر حيوية وتبصرا من الاستقراء التقليدي القائم على تعميم الملاحظات المستقرأة، الذي اعتمدته النزعة الاستقرائية، فيقول هيوول: إن دراسة تاريخ العلم تكشف عن عملية استقرائية لا تماثل البتة حجة التعميم التي يتمسكون بها، بل ثمة ربط للوقائع التجريبية من خلال مفهوم عقلي عبقري. من هنا أكد على نقطة غامضة
Mysterious Point
في الانتقال من الملاحظة إلى القانون، وأوضح أن الفروض العلمية بالأمس قد تبدو اليوم في صورة وقائع تجريبية. إنها نظرية عقلية تم إدراكها؛ لذلك قيل: إن فلسفة هيوول عقلانية استقرائية
Inductive Rationalism .
8
لقد صحبه في السنوات الأخيرة من عمره شعور حاد بأن الاستقراء لا يكفي. لم يكن عصره يسمح بإسقاط الاستقراء، فاكتفى هيوول بأن الاستقراء والاستنباط يصعدان ويهبطان نفس الدرج. وعلى أساس المفهوم العقلي العبقري أو النقطة الغامضة، عمل هيوول على تطوير المنهج التجريبي؛ ليتخذ صورة المنهج الفرضي الاستنباطي الذي يعني إبداع فروض علمية ثم اختبارها تجريبيا، والحكم عليها والاختبار بينها وفقا لنتائج التجريب. ولم تعرف قيمة هذه الدعوة إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، حين تبلورت صورة المنهج التجريبي بوصفه اختبارا للفروض وليس البتة تعميما لوقائع مستقرأة، وأصبحت الأطراف المعنية تتفق على أن المنهج التجريبي هو المنهج الفرضي الاستنباطي؛ لذلك قلنا: إن هيوول سبق روح عصره.
لقد أدرك بجلاء أن المسألة أعمق من التعميم الاستقرائي، وأن المعرفة العلمية ليست محصلة التجريب، بل محصلة تفاعل العقل مع معطيات الحواس. وبينما انشغل أصحاب النزعة الاستقرائية بالوقائع الجزئية الملاحظة، انشغل هيوول بإبداع الفرض العلمي وبالنظرية ودور العالم وإمكانياته العقلية، مؤكدا خطأهم في إهمال الفرض والتعويل على التعميم. من هنا صب جون ستيوارت مل جام نقده على هيوول، واعتبر فكرة الفرض عنده تأثرا منه بكانط ونزوعا نحو المثالية الألمانية.