تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Inductivism ، على أن نلاحظ الفارق بين المنهج الاستقرائي والمذهب الاستقرائي.

أجل، كان الاستقراء آنذاك مسلما به بوصفه منهج العلوم التجريبية، لكن الاقتصار عليه فقط، والارتكاز على حجة تعميم الوقائع التجريبية بوصفها تبريرا كافيا للمعرفة العلمية، هو تجريبية متطرفة انتهى إليها أصحاب النزعة الاستقرائية. إنهم الاستقرائيون الخلص، أو أكثر الاستقرائيين استقرائية التجريبيون المتطرفون، وأكثرهم تطرفا جون ستيوارت مل، أبرز من تفانوا في صياغة الاستقراء كمنهج وكمذهب.

وعلى الرغم من أنه يصعب إرجاع التوجهات الفكرية السائدة إلى اعتبارات شخصية، فضلا عن أن العلم بالذات هو الذي علم البشرية كيف تكون العوامل الموضوعية، إلا أنه لا يمكن فصل سيادة النزعة الاستقرائية التبريرية اللاتاريخية عن قوة شخصية جون ستيوارت مل، وانتصاره في المناظرة بينه وبين وليم هيوول في أواسط القرن التاسع عشر، وانتهت بالغلبة لمل وفريقه التجريبي المتطرف، بينما توارى في الظلام وليم هيوول ورؤاه الثاقبة.

ربما كان جون ستيوارت مل أكثر تعبيرا عن روح العصر الوضعي، بينما كان هيوول سباقا لعصره. على أية حال، فإن المناظرة أو المقابلة بينهما تعد نقطة البدء والمرحلة الأولى الريادية لفلسفة العلم كنشاط فلسفي مستقل ومتميز عن فروع الفلسفة الأخرى؛ لذا يجمل بنا التوقف عند كل من طرفيها. وصحيح أن وليم هيوول - الأقل حظا وشهرة - هو الطرف المغلوب، إلا أنه الأكبر سنا والأسبق في الإنتاج، ويمكن أن نقول وأيضا الأبعد نظرا؛ لذلك سوف نبدأ به، ثم ننتقل إلى جون ستيوارت مل واتجاهه الذي ساد، فيمكن في إثره أن نتتبع مسار فلسفة العلم وتطوراتها. وفي أعقاب مل، لا بد من العود إلى فرنسا والإشارة إلى نظرية كلود برنار المنهجية؛ لأنها تعد من المعالم البارزة في مسار نظرية المنهج التجريبي آنذاك، والتي رأيناها صلب فلسفة العلم. إن فلسفة العلم في منتصف القرن التاسع عشر تكاد تكون موزعة بين إنجلترا وفرنسا، مع بضعة إسهامات لاحقة من ألمانيا. فهل جزافا أن كانت إنجلترا وفرنسا آنذاك سيدتا العالمين، تتباريان لاقتسامه واحتلاله، أم إن الأمر كما قال فرنسيس بيكون منذ البداية: العلم قوة؟

ولد وليم هيوول

W. Whewell (1794-1866م) في لانكستر، وتوفي في كمبردج بعد أن قضى معظم حياته في جامعتها، طالبا وزميلا وأستاذا بكلية ترنتي «الثالوث» العريقة، حيث شغل منصب أستاذ كرسي فلسفة الأخلاق، وقبل أن يكون فيلسوف علم رائدا، كان أيضا عالما وعضوا في الجمعية الملكية للعلوم، وبفضله وضعت الجمعية مصطلح عالم

Scientist . درس علم المعادن، وله أعماله في الفلك والفيزياء العامة والميكانيكا، قيل عنها: إنها أساسا كتابات تعليمية، ولكنه ساعد فاراداي في وضع عدد من المصطلحات الهامة في مجال الصلة بين الكهرباء والتحاليل الكيميائية.

وهو أيضا مؤرخ للعلم، في عصره الذي لم يعن بتاريخ العلم إلا قليلا، وتركه للمحاولات الفردية. أصدر هيوول في عام 1837م «تاريخ العلوم الاستقرائية» في ثلاثة مجلدات تمتد من أقدم العصور حتى عصره الراهن. وطبعا في سياق النعرة الأوروبية الممهدة لعصر الاستعمار الوبيل، تكون أقدم العصور هي العصور الإغريقية، ثم السكندرية، الكتاب يستبعد الإشارة لما هو خارج مسار ونطاق الحضارة الغربية. ثم أصدر عام 1840م كتابا آخر بعنوان «فلسفة العلوم الاستقرائية المؤسسة على تاريخها»، وفي مواجهة النزعة الاستقرائية التجريبية المتطرفة اللاتاريخية، يؤكد هذا الكتاب أن فلسفة العلم لا تدرك المنهج العلمي حق الإدراك إلا من خلال فاعليته عبر تاريخ العلم؛ لذلك يتلاحم في عنوان الكتاب الطرفان: تاريخ العلوم الاستقرائية وفلسفة العلوم الاستقرائية. وصدرت لهذا الكتاب طبعة ثالثة مزيدة وموسعة تحت ثلاثة عناوين مستقلة: الأول «تاريخ الأفكار العلمية» في مجلدين عام 1858م، والثاني في نفس العام بعنوان «إحياء الأورجانون الجديد»، والثالث «في فلسفة الكشف» عام 1860م؛ حيث يعرض نظرية جون ستيوارت مل المنهجية للنقد الشديد.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٦٨