تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخطوة الثانية للمنهج العلمي التجريبي هي التعميم الاستقرائي للوقائع التي لوحظت، فإذا اشتعل الخشب كلما تعرض للهب في سائر الوقائع التي لوحظت، أمكن الخروج بالتعميم الاستقرائي: الخشب قابل للاشتعال، وعلى سبيل المثال، أجرى باستير ملاحظات عديدة على مواد قابلة للفساد، تعتبر مثالا يحتذى للتجريب العلمي، وخرج بتعميم استقرائي لها في صور القانون: لا تفسد المواد القابلة للفساد إلا إذا تركت مكشوفة. والخطوة الثالثة للمنهج الاستقرائي - كما صاغه فلاسفة العلم - هي افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم، كافتراض أن الخشب قابل للاشتعال؛ لأنه يتحد بالأكسجين، أو افتراض باستير أن الهواء يسبب الفساد؛ لأنه يحتوي على كائنات دقيقة. والخطوة الرابعة هي التحقق من صحة الفرض، لا بد أن يكون من الناحية المنطقية قادرا على حل المشكلة المطروحة للبحث ومتسقا مع ذاته، ومع القوانين العلمية الأخرى المعمول بها. وتبرز محورية التجريب مجددا حين نجد أن إنجاز هذه الخطوة يكون بإثبات الفرض أو دحضه، عن طريق اختباره تجريبيا، ويكون قبول الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا تم دحض، كل هذا وفقا لنتائج محكمة التجريب، تنفيذ حكمها يعني الخطوة الأخيرة للمنهج، وهي بلوغ معرفة جديدة والإضافة إلى بنيان العلم.

ولا نحسبن أحدا من فلاسفة العلم المحترفين آنذاك قد اعتقد حقا أن هذه المصفوفة لخطوات المنهج الاستقرائي (ملاحظة ثم تعميم، افتراض فرض، التحقق منه، البرهان أو الدحض وبالتالي المعرفة) الشائعة في الكلاسيكيات البائدة لفلسفة العلم التجريبي هي المفتاح الذهبي للإنجاز في العلم، كما تصور بيكون من قبل. الواقع أنها لم تكن إلا تبريرا

Justification

للقانون العلمي وتمييزا للمعرفة العلمية. إنها معيار يلحق بنتيجة جاهزة، فقد انطلق فلاسفة العلم التجريبيون المتطرفون من هاجس الافتتان بالنسق العلمي في حد ذاته؛ لتغدو فلسفة العلم معنية فقط بتبرير المعرفة العلمية كما هي معطاة. وهذا التبرير يستند أولا وأخيرا على إحكام العلاقة بين الوقائع التجريبية والنظرية العلمية أو القانون العلمي، وكيفية الانتقال من هذه إلى تلك، وما ينبغي أن نلاحظه هنا أن «تاريخ العلم» يغدو مسألة ثانوية أو جانبية، ليس من شأنها أن تلقي الضوء على النسق العلمي الذي تفجر ألقه، أو أن تساهم في تعميق النظرة إليه، فضلا عن دفع معدلات تقدمه واستشراف آفاقه، وأصبح هذا هو الموقف السائد المعترف به لفلسفة العلم وإلى ما بعد منتصف القرن العشرين بعقد من الزمان.

إذن فحين تبلورت فلسفة العلم وأصبحت وسائل المعرفة العلمية ذاتها مادة بحث - أي حين انفصل النشاط النظري الهادف إلى تكوين نظرية عن النظرية العلمية - انحصر هم فلاسفة العلم في أطر المنهج من حيث هو تقنين للانتقال من التجربة إلى القانون، وداروا بين رحى جهاز من المفاهيم رأوه قادرا على تبرير المعرفة العلمية، بوصفها معرفة صدقها أفضل ما يمكن أن يوثق به. وفي إطار منطق التبرير اللاتاريخي الذي ازدهر وساد طوال القرن التاسع عشر، تنامت مباحث فلسفة العلم، وأينعت نظرياتها حول المنهج العلمي وخطواته ومصادراته وطبائعه، ومقولاته العلمية كالحتمية والعلية واليقين والاحتمالية، ووظيفة العلم بين الوصف والتفسير والتنبؤ، وطبيعة القانون العلمي، وترسخ الاتجاه نحو اعتبار النظرية العلمية أساسا مجرد تعميمات استقرائية، خصوصا وأن هذا الاعتبار ملائم تماما للفيزياء الكلاسيكية، وهي لم تقتحم بعد عالم ما دون الذرة وتتعامل مع كون فيزيائي كل شيء فيه قابل للملاحظة الحسية، فما أيسر أن نلاحظ ثم نعمم؛ لذا ساد المرحلة الأولى من فلسفة العلم هذا الاتجاه التبريري اللاتاريخي، المواصل لمسار الفلسفة الوضعية، والمفرط في الارتكاز على المنهج الاستقرائي بصورته التقليدية التي تصر على البدء بالملاحظة، وتجعل نسق العلم بناء مشيدا على أسس صلبة هي الملاحظات أو الوقائع التجريبية. وهذا الاتجاه هو ما يعرف بالمذهب الاستقرائي أو النزعة الاستقرائية

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٦٧