تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Scientist

فقط في عشرينيات القرن التاسع عشر لتعيين ذلك النشاط المعرفي الاحترافي، حينئذ فقط ترسمت حدود ومعالم فلسفة العلم كمبحث تخصصي مستقل ومتميز وتوالت أدبياتها، بوصفها نشاطا يهدف إلى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية أو نظرية عن النظرية العلمية.

فلم تكن صياغة مصطلح العالم مجرد مفردة أضيفت للقاموس، بل كانت دلالة واضحة على أن البحث العلمي قد ترسمت معالمه الراسخة بوصفه منشطا ذا حدود مهنية قاطعة وآليات متعينة ووسائل نافذة تحكم عملية إنتاج منتظمة وراهنة للمعرفة. باختصار انتصب مارد النسق العلمي كفعالية جبارة، ترتكز على منهج محدد عمادة التجربة، فتبلورت فلسفة العلم لتصبح الوسائل المعرفية نفسها - أي المنهج العلمي - مادة بحث.

وساد الإجماع آنذاك ولحقبة طويلة لاحقة على أن المنهج العلمي هو الاستقراء الذي رأيناه بصفة مبدئية تجريدا وتجسيدا لروح العصر الحديث بأسرها، وعلينا الآن أن نقف عليه كما بلورته فلسفة العلم بوصفه منهج العلوم التجريبية الإخبارية التي تضطلع بالإخبار عن هذا الواقع، سواء فيزيوكيماوية أو حيوية أو إنسانية.

والمنهج

Method

بصفة عامة هو الطريقة،

5

بمعنى الطريق الواضح الذي يفضي إلى غاية مقصودة، فيكون المنهج طريقا محددا لتنظيم النشاط من أجل تحقيق الهدف المنشود. والمنهج العلمي هو طريقة تنظيم عملية اكتساب المعرفة العلمية، إنه المبادئ التنظيمية الكامنة في الممارسات الفعلية للعلماء الذين انخرطوا بنجاح في إنتاج المعرفة العلمية والإضافة لنسق العلم.

وكان المنهج العلمي التجريبي هو الاستقراء. الاستقراء في اللغة هو التتبع، ومن استقرأ الأمر فقد تتبعه لمعرفة أحواله. وعند التطبيقيين هو الحكم على الكلي لثبوت ذلك الحكم في الجزئي،

6

إن منهج الاستقراء

Induction

هو المقابل تماما لمنهج الاستنباط

deduction ، فهذا الأخير استدلال هابط يبدأ من مقدمات كلية ويهبط منها إلى نتائج جزئية تلزم عنها بالضرورة، وبغير حاجة إلى تجريب، ويظل دائما - في صورته المثمرة - منهج العلوم الصورية

Formal Sciences

كالمنطق والرياضيات. وكان القياس الأرسطي إحدى صوره المجدبة، أما الاستقراء - منهج العلوم الإخبارية

informal sciences - فهو استدلال صاعد، يبدأ من ملاحظة جزئيات تجريبية ليصعد منها إلى صيغة كلية على هيئة قانون عام يحكم جميع الحالات المتماثلة أينما وقعت ووقتما وقعت. فإذا حدثت الظروف التي لوحظ أنها توجب وقوع الظاهرة أمكن التنبؤ بحدوثها. هكذا نجد الاستقراء في جوهره عملية تعميم للملاحظات التجريبية، وهذا التعميم يستند على مبدأين هما - أولا - قانون العلية ، أي إن كل ظاهرة لها علة سببتها، فتنتظم أحداث الكون في تسلسل علي، وثانيا - قانون اطراد الطبيعة، بمعنى أن ظواهر الطبيعة تجري بشكل مطرد على وتيرة واحدة لا تتغير، ما حدث اليوم سوف يحدث غدا وإلى الأبد. فكل شيء حدث وسوف يحدث هو مثال لقانون عام لا يعرف الاستثناء طالما أنه محكوم بعلاقة علية ضرورية، وكما رأينا في عرض إبستمولوجيا العلم الحديث، هذان القانونان - العلية والاطراد - وجهان لعملة واحدة طالما أن العلية لا تعدو أن تكون اطراد التعاقب في الطبيعة، وذلك في إطار الحتمية الكونية الشاملة.

وبلغ الإيمان بالاستقراء كقواعد تنظم عملية إنتاج المعرفة العلمية حدا جعل فلاسفة العلم يتبارون في تحديد خطوات الاستقراء وترتيبها تصاعديا وصولا إلى الكشف أو النظرية العلمية. وأهم ما في هذا الترتيب أن الخطوة الأولى هي الملاحظة التجريبية، فلا بد أن يبدأ العالم بملاحظة عدة أمثلة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف طبعا بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلى أقصى حد ممكن وصولا للتكميم الدقيق، وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها، وهناك علوم تعتمد على الملاحظة فقط كالفلك والجيولوجيا، وعلوم تعتمد على التجربة فقط كالفيزياء والكيمياء، وعلوم تجمع بين الاثنتين كعلوم الطب والحياة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٦٦