تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن الصياغة المتكاملة لمذهب الواحدية المادية تستلزم بالضرورة التفسير المادي الميكانيكي للحياة ذاتها. وقد رأينا كيف كان هذا مراما هينا أحرزته علوم الحياة الحديثة بسهولة، وعلى الرغم من أن ديكارت معارض تماما للواحدية المادية، وأرسى دعائم ثنائية مكينة سيطرت على الفلسفة الحديثة، تؤكد جوهرية المادة وجوهرية العقل على السواء، فإن ديكارت مع هذا رأى أن كل الظواهر سواء حيوية عضوية أو لا عضوية قابلة بالضرورة للتفسير الميكانيكي، وأكد أن الجسم الحي لا يختلف عن أي جسم آخر فتحكمه خصائص الامتداد والشكل والحركة - كما أشار جاليليو في إرسائه لأصول علم الميكانيكا - بيد أن ثنائية ديكارت الحادة جعلت تفسيره الميكانيكي قاصرا على الحيوان دونا عن الإنسان ذي العقل والروح والإرادة.

ومن أجل اكتمال الواحدية المادية تماما، كان من الضروري إنكار جوهرية العقل، ومد نطاق التفسير الميكانيكي من ظواهر الحياة إلى ظواهر الوعي أيضا. وعلى هذا، كان ظهور الواحدية المادية بصورتها الفلسفية المتكاملة في إنجلترا مع توماس هوبز

T. Hobbes (1588-1679م)، وهو تلميذ لفرنسيس بيكون عمل مساعدا أو سكرتيرا له، وطبعا تأثر به وبالروح العلمية الناهضة. وقد أكد هوبز أن كل حدث يحدث في العالم إنما هو نوع من الحركة، حتى إن الإحساسات والأفكار ليست سوى حركات داخلية في جسم حي. وباطراد نجاح العلم وازدياد علم العلماء بالصلة بين الظواهر النفسية والظواهر البدنية، وتوقف الأولى على الثانية، ترعرعت المادية واتخذت صورا أكثر تحديدا ويقينا، فسار في ركاب هوبز جمهرة من مواطنيه، نذكر من الفلاسفة جون تولاند

J. Toland (1670-1722م) الذي عرف الفكر بأنه وظيفة من وظائف المخ، وكان من دعاة الدين الطبيعي. ومن العلماء روبرت هوك الذي رأيناه سلفا لنيوتن أقل حظا وقدرات رياضية، نظر هوك إلى الذاكرة كمجرد خزانة مادية، وزعم أن الفحص المجهري «الميكروسكوبي» لخلايا المخ يظهر أن فيه متسعا لنحو مليوني فكرة يحصلها الفرد البالغ أثناء حياته.

وانتقلت المادية من إنجلترا إلى القارة الأوروبية؛ لتصبح المذهب الرسمي للموسوعيين الفرنسيين الذين تفانوا في عرضها وتأكيدها كما لم يحدث من قبل، مسلمين بأن كل الظواهر الغير مادية كالفكر والانفعالات والروح وما شابه هذا، إما أنها وظيفة ثانوية للمادة أو أنها خرافة لا معنى لها. أخرج الموسوعي جوليان دي لامتري

J. Lamattri (1709-1751م) كتابه «الآلة الإنسانية»، الذي يعد من أكمل عروض الفلسفة المادية فيعزو إلى المادة القدرة على الحس والحركة. صحيح أن العقل هو العلة، لكنه مادي بالضرورة؛ لأنه متحيز في الجسم، وإذا كان يصعب علينا تصور قيام المادة بفعل التعقل فثمة أشياء أخرى كثيرة يصعب علينا تصورها. ويبحث لامتري في علم التشريح والمشاهدات الطبية عما يؤكد توقف الظواهر النفسية على الظواهر البدنية، وأن العقل مجرد وظيفة من وظائف المخ. وإلى مثل هذا ذهب أدريان هلفثيوس

A. Helvetius (1712-1771م)، وطبعا ديدرو نفسه الذي بدأ مؤمنا بالله، منكرا للعناية الإلهية، وانتهى إلى أن المادة اكتسبت الحياة والحركة بذاتها عن طريق التطور عن خلية أولى. وقد بلغت ماديته حدا جعله يشكك في قيمة الرياضيات وجدواها؛ ربما لأنها تقطع الصلة بالتجريب والتعامل الحسي مع المادة! وربما لأن العالم الرياضي دالامبير تراجع ولم يكمل معه الموسوعة! ثم أفرط الطبيب الفرنسي بيير كابانيس

P. Cabanis (1757-1808م) في إرجاع الظواهر النفسية إلى العوامل المادية كالبيئة والمناخ والغذاء، وقال قولته الشهيرة: «المخ يفرز التفكير كما تفرز الكبد الصفراء!» ... وهذه صورة متطرفة يصعب قبولها، وإذا كان المخ يفرز التفكير، فبالتأكيد ليس كما تفرز الكبد الصفراء، بل بآلية مختلفة تماما وأكثر تعقيدا بما لا يقارن. وإلى مثل هذا التطرف انتهى الموسوعي هولباخ

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٦٣