تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفكر لا يمكن أن يوجد دون موضوع خارجي، أي لا بد من وجود العالم الخارجي مستقلا عن وعي الإنسان، ثم ينعكس في هذا الوعي، وما هو منعكس «الطبيعة أو المادة» يمكن أن يوجد مستقلا عن العاكس «العقل»، غير أن العاكس لا يمكن أن يوجد مستقلا عن المنعكس. (2)

الفكر لا يمكن أن يوجد دون شروط مادية هي المخ أو الدماغ.

1

بدت الواحدية المادية وكأنها تفضي بالضرورة إلى النظرة الميكانيكية الحتمية التي فرضتها فيزياء نيوتن واقترنت بحركة العلم الحديث، خصوصا، وأن الأقدمين - وإن عرفوا المادية - لم يفرقوا تماما بين العقل والمادة، ولم يعرف الإغريق عالما عقليا بلا مادة، ولا عالما ماديا منتظما بلا عقل. في القرن السابع عشر تغير كل هذا؛ إذ كان العلم يكتشف عالما ماديا بمعنى محدد تماما، عالما من المادة تتخللها الحركة في كل الاتجاهات، حركة مطردة، بلا إضافات كيفية وقابلة للتكميم الرياضي، فلم تعد المادة المؤلفة للعالم الطبيعي مادة خاما بلا شكل، صنع منها كل شيء بفرض صورة أو علة صورية عليها - كما قال أرسطو - بل أصبحت الطبيعة المادية هي الحركة الكلية للأشياء المنظمة تنظيما كليا، وأفضت هذه النظرة إلى نتيجة صلبة في شكل علم فيزيائي استمد هيلمانه من الرياضة،

2

وكان هذا في نظر التنويريين الفرنسيين يعني: الواحدية المادية.

ويمكن إرجاع أصول الواحدية المادية المستقاة من النظرة العلمية إلى جيوردانو برونو

G. Bruno (1548-1600م)، وقد فعل هذا بتأويله للكوبرنيقية، رأى برونو أن كوبرنيقوس مجرد رياضي متمكن، ولم يفقه المعنى الحقيقي - أي المعنى الفلسفي - لاكتشافه، وراح برونو يوضح هذا المعنى للفلك الذي تقبله بحماس وحرق من أجله فيما بعد، فنفى أي اختلاف بين المادة السماوية والمادة الأرضية. ومد برونو نطاق هذا النفي - كما لم يفعل كوبرنيقوس نفسه - من النظام الشمسي إلى النجوم البعيدة في السماء، مقرا بنوع واحد من الاختلاف والتميز بين الأجسام المعتمة والأجسام المضيئة أو النارية، والأجسام جميعها تتحرك تبعا لنفس القوانين في حركة دائرية، رفض برونو قسمة أرسطو إلى عالم ما فوق فلك القمر وعالم ما تحت فلك القمر، ورفض أيضا فكرته عن المحرك الأول المنفصل الذي لا يتحرك الشبيه بالألوهية، وأكد برونو أن الحركة حالة داخل صميم المتحرك، العالم المادي بهذا متصور كمكان لا متناه، لا خلاء فيه، مملوء بمادة مرنة، هي التي أدت إلى فرض الأثير فيما بعد، في هذا الأثير عدد لا حصر له من العوالم المماثلة لعالمنا، تشكل في جملتها كونا لا يتغير هو نفسه ولا يتحرك، لكن يحوي داخل ذاته كل تغير وكل حالة، إنه المادة الحاوية للكل، غير المتغيرة، قاعدة كل تغير، مادة في قدرتها على الامتداد والحركة، وهي أيضا صورة أو روح الله في قدرتها على التواجد بذاتها.

3

وهذا نمط من وحدة الوجود

Pantheism - أي النظر إلى الكون ككل واحدي - تطور في القرن السابع عشر في اتجاه جديد، هو فكرة عالم الطبيعة الحاكم لذاته

Self-regulating

بفعل قوانينه الداخلية، وهذا هو الاتجاه الذي ارتبط ارتباطا وثيقا - كما يوضح كولنجوود - بفكرة الطبيعة كآلة ميكانيكية، ارتباطا أفضى بصورة مباشرة إلى النظرة المادية للطبيعة التي تمخضت عن الواحدية المادية، وهي بدورها شكل آخر من وحدة الوجود، شكل عار مجرد بارد.

ولكن برونو على الرغم من إعلانه أن العالم ليس مقدسا بل ميكانيكيا، فإنه لم يتخلص تماما من النظرة الحيوية للطبيعة ككائن عضوي، والتي كانت سائدة قبل عصر العلم الحديث وتصوره الميكانيكي للطبيعة، فضلا عن أن برونو كان مفتونا بالفكر المصري القديم لدرجة الهوس، ففسر حركة الأرض حول الشمس تفسيرا مأخوذا من اتجاه في الحضارة الفرعونية يردها إلى طاقة الحياة. ولمثل هذه العناصر التي تبعد جيوردانو برونو عن الروح الحقيقية للعلم الحديث - كما يحاول مذهب الواحدية المادية أن يجسدها - يمكن اعتباره فقط مبشرا بالمذهب أو مساهما في تأسيس أصوله.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٦٢