P. Holbach (1723-1789م) وهو ألماني لكن قضى حياته في باريس وكتب بلغة فرنسية بليغة كتابه الضخم «نسق الطبيعة» 1770م، حيث يتحدث عن الطبيعة بنفس اللهجة التي يتحدث بها المؤمنون عن الله، ويحارب أي موجود فائق للطبيعة، فلا وجود إلا للمادة والحركة، وهما أزليتان أبديتان، خصائصهما هي القوانين الطبيعية الضرورية، ولا مصادفة ولا تدبير إلهي ولا غائية ولا نفس ولا حرية للإنسان؛ لأنها إنكار للنظام في الطبيعة، ويختتم كتابه - كما يقول كولنجوود - بما لا يزيد أو ينقص عن الصلاة للمادة، بحيث إن تغيير كلمة أو كلمتين يعطي صورة لصلاة مسيحية. هكذا كانت الواحدية المادية من جبهات المواجهة بين العلم والدين، ولله في خلقه شئون!
وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلت الواحدية المادية، على الرغم من شديد اتساقها في حدودها مع الفيزياء الكلاسيكية ونظرتها الميكانيكية الحتمية للكون، لا تلقى رواجا كبيرا، كانت مجرد تيار من تيارات الفلسفة الحديثة التي غلب عليها بصفة عامة الثنائية الديكارتية، ثنائية المادة والعقل، فضلا عن أن القرن التاسع عشر شهد مادية أخرى أكثر حركية وتطورا من تلك المادية الواحدية أو الكلاسيكية، إنها «المادية الجدلية» التي لا تكتفي بأن تعزو إلى المادة تغيرات كمية، بل تعزو إليها أيضا تغيرات كيفية، وقد وضعها كارل ماركس
K. Marx (1818-1883م) برفقة فردريك إنجلز
F. Engels (1820-1895م) في محاولته لجعل التاريخ علما دقيقا، تماما كما جعل نيوتن الفيزياء علما دقيقا. فوضع ماركس أساسا منهجيا لتفسير مراحل التاريخ هو هذه المادية الجدلية. وقد بلغها عن طريق تطوير منهج أستاذه العظيم هيجل
F. Hegel (1770-1831م) المنهج الجدلي، أو قلبه ليقف على قدميه الماديتين، بعد أن كان يقف على رأسه المثالي مع هيجل. وعن طريق المراحل الثلاث للمنهج الجدلي: القضية أو الوضع، ثم النقيض، ثم المركب الشامل الذي يجمع خير ما في النقيضين ويتجاوزهما إلى الأفضل - يزعم ماركس أن التاريخ انتقل من المرحلة الإقطاعية إلى النقيض؛ وهو المرحلة البرجوازية الرأسمالية، وتغدو المرحلة الجدلية الثالثة هي المرحلة الشيوعية التي تجمع خير ما في النقيضين وتتجاوزهما إلى الأفضل، آتية حتما، وفقا للحتمية الشاملة التي ألقاها العلم على الوجود.
وإذا عدنا إلى عصر التنوير، حيث استبدت الواحدية المادية بمجامع الموسوعيين الفرنسيين، نجدها لم تلق هوى مع التنويريين الألمان. على العموم بلغ التنوير الألماني الذروة الشاهقة مع إيمانويل كانط
I. Kant (1724-1804م) شيخ الفلسفة الحديثة بلا منازع، تقوم فلسفته على الثنائية الشائعة، فيفرق بين الأشياء في ذاتها «النومينا» والأشياء لذاتها «الفينومينا»، النومينا موضوع الميتافيزيقا، أما الفينومينا أو الظواهر فهي موضوع العلم. ووضع كانط نظرية للمعرفة، هي علامة فارقة في تاريخ الفلسفة، وفي الوقت نفسه أقوى تمثيل لروح الفيزياء النيوتينية والعلم الحديث، وتقوم على عنصرين: هما العقل والحس، فالمقولات العقلية تتلقى المدركات الحسية لتشكلها في صورة معرفة بعالم الظواهر، وعبر كانط عن هذا بقوله الشهير: «المقولات بدون المدركات الحسية خواء، والمدركات الحسية بدون المقولات عمياء.» وعلى أساس من انسحاب الضرورة الرياضية إلى حتمية فيزيقية، سلم كانط بأن القضايا الفيزيائية تماما كالقضايا الرياضية، مطلقة يقينية ضرورية الصدق، والفارق الوحيد أن قضايا الرياضة قبلية - أي قبل الخبرة الحسية وسابقة عليها، بينما قضايا الفيزياء بعدية.
هكذا صاغت التجريبية الإنجليزية روح العلم، ثم أفرط التنوير الفرنسي في محاولة إنضاجها حتى كادت تحترق، وأعطتها قمة التنوير الألماني أصفى بلورة لها بنظرية كانط التي عينت حدود العلم بعالم الظواهر، أي الفينومينا، وأوضحت أن النومينا - موضوعات الميتافيزيقا - غير قابلة للإدراك.