في هذه الآونة - النصف الثاني من القرن الثامن عشر - كانت تزدهر في فرنسا وألمانيا فلسفة التنوير التي مرت علينا في الفصل الأول بوصفها انعكاسا لنجاح العلم الحديث المبهر، فترفع كل وصاية عن الإنسان انطلاقا من الإيمان المطلق بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود لا سيما إذا استعان بالتجريب ومعطيات الحواس، فتصهر فلسفة التنوير عقلانية العلم وتجريبيته معا في إطار إيمانها الطاغي بالتقدم البشري، في طريقه الواحد والوحيد الذي يترسم بتطور الوعي الإنساني في طريق العقلانية والعلم. وعلى هذا الأساس كانت خطوط التنوير الإيجابية النيرة في الفكر السياسي والاجتماعي.
خرجت خلاصة فلسفة التنوير الفرنسية في مقالات الموسوعيين، وهم كوكبة من أقطاب الفكر الفرنسي التنويريين، أدباء وفلاسفة وعلماء، التفوا حول التنويري الرائد دينس ديدرو
D. Diderot (1713-1784م) من أجل وضع موسوعة عامة للعلوم والفنون والصنائع، تضاهي الموسوعة الإنجليزية التي لاقت رواجا تجاريا كبيرا وتقف على آخر تقدم للعلوم في العصر، خرج المجلد الأول من الموسوعة الفرنسية عام 1751م، بمقدمة عن أصل العلوم وتصنيفها كتبها العالم الرياضي دالامبير
d’Alember (1717-1783م)، وقد كان الأشد تحمسا للموسوعة ومختصا بالأجزاء الرياضية فيها، في هذه المقدمة هاجم دالامبير بضراوة الميتافيزيقا وأيضا الدين، وأسهب في محاولة إثبات عدم جدواهما البتة، مما يوضح الاتجاه العام للتنوير ولموسوعته التي أثارت كثيرا من النقاش والجدل والشبهات والمصاعب القانونية، حتى بلغت حد الاستدعاء من قبل الشرطة للتحقيق وإنزال العقوبات بسبب ما تحمله من بصمات إلحادية سافرة؛ لهذا تراجع دالامبير بعد صدور المجلد الأول، بينما ثابر ديدرو حتى أخرج المجلد السابع عشر عام 1772م، يعاونه في هذا، ويكتب مقالات الموسوعة، أئمة عظام للتنوير من أمثال مونتسكيو
C. S. Montesquieu (1689-1755م)، صاحب «روح القوانين» الشهير، وقد كتب للموسوعة مقالا في «الذوق»، وجان جاك روسو
J. J. Rousseau (1712-1787م)، وفولتير
Voltaire (1694-1778م). إنهم الثالوث المبشر بالثورة الفرنسية، ومعهم سائر أقطاب الفكر الاجتماعي التقدمي في فرنسا آنذاك أمثال كوندرسيه ونايجون وتورجو ... إلخ.
وبطبيعة الحال، ساهم أيضا في تحرير الموسوعة دعاة التفكير العلمي الطبيعي الفرنسيون في القرن الثامن عشر. واللافت حقا أنهم اعتنقوا مذهبا متطرفا، ظنوه المذهب المتسق مع الروح العلمية والأمين عليها كل الأمانة، ألا وهو مذهب الواحدية المادية، الذي يعرف أيضا باسم المادية الكلاسيكية، ويبدو وكأنه المذهب الرسمي للموسوعيين الفرنسيين. وهذا المذهب - بصفة عامة - قد ارتبط ارتباطا خاصا بروح العلم في الفلسفة الحديثة؛ لذا يجمل بنا أن نتوقف إزاءه مليا.
ويمكن تعريف المادية بأنها المذهب الذي لا يعترف إلا بوجود المادة فقط، وجودا واقعيا مستقلا عن أية ذات عارفة، ويفسر كل شيء بالعلل المادية فقط، والمادة ذاتها لا تعتريها إلا تغيرات كمية، وتنتفي عنها أية تغيرات كيفية، وأحداث العالم هي الأوجه المختلفة للمادة المتحركة؛ لذلك استطاعت المعرفة العلمية المثبتة بالتجربة أن تنفذ نفاذا تاما إلى العالم وقوانينه.
هذا الوجود صيغ من مادة خالصة، المادة هي الأصل والأساس وستوجد كما هي، حتى ولو لم يكن ثمة أي عقل يدركها ويحكم بوجودها أو عدمه؛ وذلك ببساطة لأن الأرض - تلك الكتلة من المادة - موجودة كما هي قبل أن يستطيع أي عقل أن يدركها، بل حتى قبل أن يوجد عليها أي إنسان. المادة إذن سابقة على الفكر، والفكر ذاته ظاهرة لاحقة للمادة، فيرتد إلى عمليات فيزيائية ميكانيكية أو فيزيولوجية تجري في قطعة متعينة ومتحيزة من المادة اسمها المخ، وفقا لقوانينها الخاصة. وكما يوضح الفيلسوف اليساري الفرنسي المعاصر روجيه جارودي - قبل أن يصبح المفكر الإسلامي المتحمس المخلص رجا جارودي - عندما تعلن المادية أن المادة هي الواقع الأول والفكر هو الواقع الثاني، فإن هذا يعني أمرين: (1)