وعلى مدار العصر الحديث تبارى الفلاسفة الإنجليز في تأكيد التجريبية والنظرية الحسية في المعرفة والعزوف عن الميتافيزيقا حتى ارتبطت هذه النزعة ارتباطا خاصا بروح الفلسفة الإنجليزية، وقد بلغت ذروتها وأكثر صورها شعبية وشيوعا في إنجلترا إبان القرن السابع عشر مع جون لوك
J. Locke (1632-1704م). هاجم لوك القياس الأرسطي بطبيعة الحال وأشبعه تهكما وسخرية ورفض بقطع أي ادعاء بوجود أفكار مقطورة في العقل البشري ترتكز عليها المذاهب العقلية المقابلة للتجريبية. وأكد أن العقل يولد صفحة بيضاء ثم تخطها المعطيات الحسية والتجربة. ومع هذا تقدم الأسقف جورج بركلي
G. Berkeley (1685-1753م) بتجريبية ونظرية حسية في المعرفة أكثر تطرفا، تهدف إلى إثبات وجود الله، وأيضا إلى تخليص فلسفة لوك من عناصر لا تتسق مع التجريبية، فأنكر الوجود الحقيقي للمادة كجوهر مستقل، وهذا عن طريق نظرية حسية متطرفة في المعرفة، ترهن الوجود بالإدراك الحسي له، الوجود هو المدرك، فيغدو الشيء هو فقط الصفات أو الصور الحسية التي تبدو في أذهاننا عن طريق الحواس لا أكثر ولا أقل، وكل ما لا يدرك لا وجود له. ولا يعني إنكار المادة إنكارا لوجود الأشياء، فما دمنا ندرك المحسوسات لا نستطيع الشك في وجودها، إن لا مادية بركلي لا تجعل الأشياء معاني، بل تجعل المعاني أشياء، وكل شيء يدرك فقط داخل الذهن الإنساني كمحسوسات جزئية. إذن جميع معارفنا جزئية، ولا وجود للكليات، إنها مجرد «أسماء» تنطبق على جزئيات عديدة. هكذا انتهت التجريبية والمعرفة الحسية مع باركلي إلى المثالية الذاتية التي تربط الوجود بإدراك الذات له، وإلى اللامادية والاسمية. وعن طريق الألوهية يفسر باركلي تآلف الإحساسات في مجاميع واطرادها، والمعاني ونظامها. وبقاء الله هو التأييد الوحيد لبقاء الأشياء وبقاء العلاقات بينها التي تعرض نظام العالم الطبيعي، وتغدو الطبيعة - التي يستكشفها العلم - بمثابة رسالة الله إلينا.
ولكن في هذا القرن الثامن عشر، يتزعم التجريبية الإنجليزية حقا شكاك اسكتلندا الشهير ديفيد هيوم
D. Hume (1711-1766م)، وسوف نرى لاحقا أثره الكبير على أم مشكلات فلسفة العلم: مشكلة الاستقراء، قامت فلسفة هيوم على أساس من الانطباعات الحسية وارتباطاتها. الانطباع هو الخبرة الفورية التي يمر بها الفرد حين يدرك شيئا بحواسه أو حين يعيش حالة انفعالية معينة، وعن طريق ما تخلفه الانطباعات من صور ذهنية وذكريات تتكون الأفكار. وبواسطة مبدأ تداعي المعاني السيكولوجي يرجع هيوم كل شيء إلى التجربة بمعنى الخبرة النفسية الفورية بالمحسوسات، أي الانطباعات، وأنكر هيوم كل وأية فرضية إخبارية أو عبارة متعلقة بالعالم وتكون مستقلة عن الحواس ولا يمكن ردها بشكل ما إلى الانطباعات الحسية، حتى ولو كانت هذه الفرضية هي قانون العلية المجيد الذي يقيم قائمة العلم الطبيعي آنذاك. وقد قام هيوم بالتمييز بين نوعين من المعرفة: النوع الأول هو المعارف المنطقية والرياضية، أي التحليلية التي تقتصر على تحليل الأفكار الذهنية لتحديد ما بينها من علاقات لزومية استنباطية. أما النوع الثاني فهو المعرفة المتعلقة بالإخبار عن الواقع كما تفعل العلوم الطبيعية، وهذه لا مصدر لها إلا انطباعات الحس ومعطيات التجريب. وعلى هذا ينصح هيوم القارئ أن يسأل نفسه قبل أن يتصفح كتابا: هل هذا الكتاب مبحث في العلاقات اللزومية، أي رياضة أو منطق؟ أم إن عباراته قائمة على الخبرة الحسية؟ فإذا كان الكتاب لا هذا ولا ذاك، كان ميتافيزيقا ووجب إلقاؤه فورا في النار! بهذه النصيحة الخرقاء، يجسد هيوم الروح العلمية آنذاك المقتصرة على التجريب والرافضة لأية أبعاد ميتافزيقية.