R. Brown (1773-1858م)، وكان قد أمضى بضع سنوات من شبابه في رحلة استكشافية بأستراليا، فجلب معه أربعة آلاف نوع من النبات ظل يدرسها طوال عشرين عاما. وفي صيف عام 1827م كان براون يستخدم الميكروسكوب في دراسة نبات
Clarkia Pulchella ، فلاحظ أن بعض الجزيئات الميكروسكوبية المتعلقة بالماء هي في حالة اهتزاز دائم، يحدث على منضدة متأرجحة أو على حامل ثابت، في الليل أو في النهار، في الريف أو في المدينة. وفي عام 1880م انتهت تجارب الأب البلجيكي إجناس كاربونيل
I. Carbonelle ، والعالم الفرنسي - المذكور آنفا - لويس جوي إلى أن هذا الاهتزاز ليس مقصورا على الماء، بل يتحقق في جميع السوائل، وأنه حركة دائبة في جميع الأحوال وتحت كل الظروف لا تكف أبدا. والأهم أنها ليست نتيجة لمؤثر ما، ولا تخضع لأي عامل خارجي، ولا تتوقف حتى على نوع الجزيئات، بل فقط على حجمها.
48
كان اكتشاف الحركة الدائمة لجزيئات السوائل، الحركة البراونية، أزمة خطيرة للفيزياء الكلاسيكية؛ فهي خروج مباشر على قوانين الحركة النيوتنية التي تنص على أن الجسم لا يتحرك ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي، علة هي قوة، فضلا عن أن حساباتها تستلزم هي الأخرى مناهج الإحصاء والاحتمال، لا لحساب درجة جهل الذات العارفة بالموضوع؛ ولكن لأن طبيعة الموضوع ذاته احتمالية تفرض المناهج الإحصائية مما ينقض مبدأ الحتمية الذي رأيناه شريعة العلم الكلاسيكي. وتتصل الحركة البروانية بالحركة الحرارية «الديناميكا الحرارية»، فكل جزيئات السائل في حركة دائبة، وعلى الرغم من أنها مجهرية لا تراها العين المجردة فإنها تزداد بارتفاع درجة الحرارة حتى تصل لدرجة ملحوظة جدا تعرف بالغليان، وتحدث تهيجا في ألياف الأعضاء باللمس، وهو إحساس نسميه بالسخونة، وفي المقابل تقل الحركة بانخفاض درجة الحرارة، حتى تنعدم في حالة تجمد السائل؛ لذا فإن ما نطلق عليه اسم درجة الحرارة ليس إلا مقياسا لدرجة الاضطراب الجزيئي.
مثلت قوانين الديناميكا الحرارية والنظرية الحركية للغازات والحركة البروانية، الثلاثة معا، أزمة للفيزياء الكلاسيكية، من حيث كانت تمردا وعصيانا لحتميتها العلمية، وتكاتفت لتؤكد عجز مناهجها، وأن الإحصاء والاحتمال ضرورة موضوعية تتفق مع الطبيعة الخاصة لهذه الظواهر؛ فهي في تغير دائم وحركة متواصلة عشوائية وغير منتظمة، تداخل وتفاعل وتشابك بين عناصرها، مما يجعل التحديد الفردي الميكانيكي خروجا عن طبيعتها الوضعية، وعبثا لن يفضي إلى معرفة ذات قيمة، فليس الأمر قصورا أو عجزا عن تحديد علل في الواقع، إنما هي وقائع موضوعية تختلف في طبيعتها عن وقائع الفيزياء الكلاسيكية، إنها قابلة للتحديد الكمي، لكن في غير الحدود الميكانيكية الحتمية.
والأخطر من كل هذا أن الحركة الغازية والحركة البراونية كانتا براهين مباشرة على الوجود الحقيقي للذرات توضح بجلاء الطبيعة المتجزئة للمادة،
49
ومن هذه الطبيعة واصلت الخلايا السرية للثورة العلمية نشاطها ليخرج من حدود خلق أزمة إلى موقف الإعلان الصريح عن انهيار الإبستمولوجيا الكلاسيكية.
كان افتراض الذرة قد ورد لأول مرة في الفلسفة الهندية القديمة، ثم أكده يمقريطس وأبيقور ولوكريتوس في الفلسفة الإغريقية، وأخذ به علماء الكلام الإسلاميون وأسموا الذرة: الجوهر الفرد، وأيضا تمسك به بعض من أنصار الواحدية المادية في القرن الثامن عشر، ولكنه اقتحم عالم العلم على يد عالم الكيمياء الإنجليزي ويليم بروت
W. Prout (1785-1850م) حين قدمه عام 1815م كفرضية بشأن وجود جسيمات دقيقة تساهم في مختلف التفاعلات الكيميائية دون أن تتحطم أو تستحدث، ثم صاغ جون دالتون
J. Dalton (1766-1844م) هذا الفرض الذري صياغة دقيقة في نظريته عن التفاعلات الكيميائية.