تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

معنى هذا أن ما نعرفه من مادة الكون قد لا يتجاوز 1٪، ولن يزيد عن 10٪.

ويرتبط بالمادة المظلمة الثقوب السوداء، و«الثقب الأسود» هو البقية الثقيلة لنجم ميت استنفد وقوده النووي فانكمش على ذاته، وأصبح له هو الآخر مجال جاذبية قوي جدا، بحيث لا يستطيع أن يفلت منه أي شيء ولا حتى الضوء،

46

وثمة أيضا الأوتار الكونية. و«الوتر الكوني» بمثابة انقطاع أو شق في بنية الزمان/المكان كما لو كان شقا على سطح بحيرة متجمدة، والأوتار الكونية ثقيلة جدا، حتى إن القطعة الواحدة من الوتر التي في حجم ذرة واحدة سيكون وزنها ألف مليون طن، على أن «الأوتار الكونية» ما زالت مجرد فرض نظري بلا أي دليل تجريبي، وما زالت الحاجة ملحة لتفسير وجود المادة المظلمة التي ثبت أنها تشكل القطاع الأعظم من مادة الكون ولا نستطيع أن نعرف عنها شيئا. والخلاصة أنه إذا أردنا الآن التسليم بمبدأ بقاء المادة فسوف يتم هذا في إطار يختلف تماما عن إطار الفيزياء الكلاسيكية، إن لم يعن هجران هذا الأخير وتقويضه.

وكما رأينا، انطلقت الأزمة التي أثارتها الديناميكا الحرارية في عالم الفيزياء الكلاسيكية الحتمية من إقحامها الإحصاء وحساب الاحتمال كأداة تفرضها فرضا طبيعة الظواهر المدروسة، فاتسع مجال هذه الأزمة وازدادت حدتها بفعل ظواهر أخرى فرضت بدورها تلك المعالجة الإحصائية الاحتمالية، وأكدت عجز الصياغات الإقليدية الكلاسيكية التي تنزع إلى التحديدي اليقيني، والمقصود على وجه التحديد:

أولا:

النظرية الحركية للغازات.

ثانيا:

نظرية الحركة البراونية.

أما عن الأولى، فإن الغاز الموجود في إناء مقفل - بالونة مثلا - يقوم بالضغط على جدران الإناء بدرجة واحدة في كافة جوانب الإناء، فيقع على سطح الإناء نفس الضغط الواقع على الأرضية، في حين أن السائل والجامد يمارس ضغطه على الأرضية فقط؛ لأن ضغط الماء مثلا يعزى إلى ثقله، أما ضغط الغاز فيعزى إلى أن الغاز يتألف من مجموعة كبيرة للغاية من الجزيئات التي أمكن اعتبارها كرات صغيرة متساوية، تتحرك حركة دائبة لا تنقطع، ويتصادم بعضها مع بعض، كما تتصادم مع الجوانب المحيطة بها، عددا كبيرا للغاية من المرات في كل ثانية. لذلك فدراسة الضغط الذي يبذله الغاز على جدران الإناء لا يتأتى بمعرفة مواضع جزيئات الغاز وسرعاتها معرفة تفصيلية دقيقة، كما علمتنا الفيزياء الكلاسيكية، فمن المستحيل دراسة حركات أي جزيء من جزيئات الغاز دون الدخول في معادلات يعجز العقل الإنساني عن تحديدها، بل هو عدد لا حصر له من المعادلات التي ينبغي صياغتها لتحديد حركة كل جزيء؛ لذلك لا سبيل إلى التنبؤ بتفاصيل حركتها، ولا إلى حساب طاقة كل جزيء على حدة؛ لما تمارسه من مصادمات وتغاير في الاتجاه لا ينقطع. أما لو حسبنا الطاقة الكلية الناجمة عن اصطدامات جزيئات الغاز البالغة التعدد، والتي تتحرك في سرعات هائلة غير منتظمة وفي جميع الاتجاهات لوجدنا أن الضغط على جدران الإناء يتناسب تناسبا قريبا جدا مع كثافة الغاز ومع مربع سرعة الجزيئات. على هذا لا يتأتى حساب ضغط الغاز بالمعرفة التفصيلية التحديدية، وإنما بمعرفة المتوسط الإحصائي لطاقة وحركة الجزيئات في وحدة حجمية معينة،

47

هكذا نجد النظرية الحركية للغازات تعني هي الأخرى أن المناهج إحصائية والنتائج احتمالية وضرورة هجران الحتمية.

ثم تفاقمت خطورة هذا الأمر حين اتضح أنه ليس مقصورا على الغازات، وإنما يمتد إلى المادة السائلة، كما أوضحت الحركة البراونية، نسبة إلى براون مكتشفها، والتي يمكن اعتبارها شرارة البدء في أزمة الفيزياء الكلاسيكية؛ لأنها الأسبق تاريخيا.

فقد كان أمين القسم الذي أصبح فيما بعد قسم النبات في المتحف البريطاني عالما اسكتلنديا يدعى روبرت براون

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٥٦