تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكان الكيميائيون هم واضعو فرض الذرة في العلم الحديث، وحين أخذه الفيزيائيون منهم لم يسبب في بداية الأمر أزمة كبيرة، فقد بدأ هذا بافتراض دالتون ومندليف القائل: إن المادة مكونة من ذرات غير قابلة للانقسام، وهذا افتراض يدعمه نيوتن نفسه، لكنه بدأ يزعج الإبستمولوجيا الكلاسيكية حين تمكن ج. ج. طومسون - كما أشرنا - من تحطيم الذرة عام 1897م بدراسته لأشعة الكاثود التي أظهرت أنها تدفق الإلكترونات حاملة الشحنات الأحادية السالبة، فكان اكتشاف الإلكترون الذي يعني أن العلم قد اقتحم الذرة. واقتحم رذرفورد بعد ذلك نواة الذرة حين حطمها عام 1924م مكتشفا بهذا قوى جديدة في الطبيعة، ثم انطلقت من الذرة جسيمات عديدة، وقبل أن يأتي الربع الأخير من القرن العشرين كانت تعد بالعشرات. وبمجرد ظهور الجسيمات الأولية الأساسية وهي الإلكترون والبروتون والنيوترون، كانت الفيزياء الكلاسيكية قد ناءت تماما بثقلها.

وقد تبدى الثقل الوبيل للذرة وجسيماتها منذ أن شرع العلماء في دراسة النشاط الإشعاعي، والتي يمكن اعتبارها المقدمة الفعلية للفيزياء الذرية. فقد اكتشف العالم الفرنسي هنري بيكريل

H. Bacqueral

عام 1896م أن ثمة إشعاعا متصلا ينبعث من اليورانيوم بصورة ثابتة لا تنقطع في أي ظروف، والأهم أنه ليس نتيجة لأية علل خارجية، فهو عملية تفكك تلقائي للذرات دون أية شروط محددة، وأن هذا ليس مقتصرا على اليورانيوم، بل سائر المواد المشعة وأقواها الراديوم. وكشأن الحركة البراونية، تعجز الفيزياء الكلاسيكية مرة أخرى عن تفسير انطلاق الطاقة من المواد المشعة بلا أي علة خارجية أو قوة مؤثرة، بل فقط تبعا لنظرية التفكك التلقائي التي وضعها رذرفورد وفردريك سودي في عام 1903م. فالراديوم مثلا يقذف بثلاثة أنواع من الأشعة: ألفا وبيتا وجاما، فتتفكك ذراته بمجرد مرور الزمن عليها، وتخلف وراءها ذرات من الرصاص والهليوم، فينقص حجم كتلة الراديوم باستمرار ويحل محلها رصاص وهليوم. وفي مقابل حتمية الفيزياء الكلاسيكية، نلاحظ لا حتمية القانون الذي يحكم هذا التفكك، فيمكن تماما تحديد معدلات التفكك والإشعاع. لكن ما لا سبيل إليه ولا جدوى منه تحديد الأجل المحتوم الذي سوف يحل بهذه الذرة دونا عن تلك، فتخضع العمليات الإشعاعية للمعادلات الإحصائية.

والواقع أن الإشعاع كان معلوما تماما للكلاسيكيين، وقد حكمته معادلات ماكسويل الفذة حكما بارعا ويتفق مع الإبستمولوجيا الكلاسيكية، بيد أنه تلقى مددا عظيما باكتشاف أنواع جديدة من الإشعاع تختلف عن الضوء في أن موجاتها أقصر أو أطول، وظلت هذه الموجات مجهولة لوقت طويل؛ لأنها غير مرئية لا تؤثر على العين المجردة، ولكنها قادرة على إظهار تأثيرات فيزيائية معينة كالحرارة والتصوير الفوتوغرافي والتأثير الكهربي، ومن هذه الظواهر ألم بها الفيزيائيون.

50

فبدأ الإشعاع رويدا بالثورة على الوضع الذي تصورت الفيزياء الكلاسيكية أنها تملكت ناصيته، ثم استفحل شأن الإشعاع حتى تمكن في القرن العشرين من امتصاص مجمل عالم المادة من الكون الحتمي الضيق الصلب الساذج وألقى بها في عالم اللاحتمية الرحب المرن ذي الدهاء العميق. لقد تحولت كتل المادة الصلبة إلى إشعاع، إلى احتمالات موضوعية - كما سنرى - وكل ما ينقض الحتمية الميكانيكية التي رأيناها صلب عالم الفيزياء الكلاسيكية وإطار إبستمولوجيا العلم الحديث، فكانت أزمة علمية مضنية، قبعت في استقبال القرن العشرين، ويجمل عالم الطبيعة النووية الروسي فيتالي ريدنيك أمر هذه الأزمة التي عرضناها الآن على النحو التالي:

مع نهايات القرن التاسع عشر أضحت الميكانيكا النيوتونية في موقف متأزم، وشيئا فشيئا اتضح أن تلك الأزمة تعني سقوط الحتمية الكونية التي تسمى علميا مبدأ الحتمية الميكانيكية، ولم يعد الكون بسيطا إلى هذا الحد ولا باقيا على حاله إلى الأبد، فلم تجلب ميكانيكا الكوانتم معها عرفانا جديدا فحسب، بل أعطتنا تفسيرا لظواهر العالم مختلفا اختلافا جذريا، ولأول مرة يعترف العلم اعترافا كاملا بالمصادفة، ربما كان علينا أن ننحى باللائمة على الفيزيائيين؛ لأنهم وقفوا حيارى، لكن كان عليهم فقط أن يتخلوا تماما عن فكرة الحتمية الأبدية التي ابتدعوها هم أنفسهم؛ فقد ظنوا أن مثل هذه الحتمية إن هي انسحقت فإن الفوضى المطلقة ستحكم الكون ولن تعود الأشياء تطيع القوانين الدقيقة، ومضى ردح من الزمن قبل أن يجد الفيزيائيون مخرجهم من هذه الأزمة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٥٨