وكما لاحظنا تصور نظرية نيوتن الكون ككتل مادية تتحرك على سطح مستو عبر الزمان والمكان المطلقين، والميكانيكا هي علم حركة الأجسام. إذن فالكون بالتأكيد نظام ميكانيكي، وهذا التصور الميكانيكي للكون الذي رفعته نظرية نيوتن على رءوس الأشهاد هو التمثيل العيني لأنطولوجية الحتمية. والواقع أنه لا حتمية علمية بغير الميكانيكية، أي بغير النظر إلى الكون بكل محتوياته وعناصره وظواهره على أنه مترتب في صورة آلة ميكانيكية ضخمة مغلقة على ذاتها، من مادة متجانسة، تسير تلقائيا بواسطة عللها الداخلية، وتبعا لقوانينها الخاصة في مسار تفضي كل حالة من حالاته إلى الحالة التالية. وبعد أن وضع العلماء فرض الأثير، وهو وسط لا نهائي المرونة كثافته أقل من الهواء، افترضوه بوصفه يملأ كل الفراغات في الآلة الميكانيكية العظمى، بحيث يحمل الضوء والإشعاعات لتندرج بدورها في التفسير الميكانيكي، وبعد أن اكتشفوا أن المادة الحية مؤلفة من نفس الذرات التي تؤلف المادة الجامدة، وأنها بالتالي تخضع لنفس القوانين، وتصوروا أن الحياة أيضا ذات طبيعة ميكانيكية، وأن الإنسان لا يعدو أن يكون آلة ميكانيكية حية، وإن تكن أكثر تعقيدا، والعقل بدوره هكذا ... بعد هذا أيقن العلماء أنهم يستحيل أن يفهموا أي شيء بغير أن يصطنعوا له نموذجا ميكانيكيا، وأن التفسير الوحيد الممكن لهذا الكون، ككل وكأجزاء، هو التفسير الميكانيكي.
وجاء لابلاس عام 1814م؛ ليصوغ في مقدمة كتابه «مقال فلسفي في الاحتمال» أشهر صياغة للحتمية العلمية، ومؤداها أننا إذا استطعنا أن نجمع معلومات دقيقة عن كل الظروف، لأمكن استنباط الحالة اللاحقة للكون بكل دقة، والعقبة الوحيدة أننا لا نعلم كل الظروف والشروط في وقتنا الحالي، فإذا تصورنا عقلا فائقا يعرف كل القوى التي تعمل في الطبيعة والوضع الراهن لكل مكوناتها - أي يعلم كل تفاصيل الكون - فإنه يستطيع التنبؤ بمنتهى الدقة بوضع كل جسيم في كل لحظة، ولن يكون ثمة أي شيء غير يقيني بالنسبة له، سواء ما يختص بحركة أضخم الأجسام أو أصغر الذرات، أو الإنسان المحصور بين هذا وذاك.
ولا غرو أن يراود العلماء طموحات جامعة مانعة هكذا، ما دام كل شيء في هذا الوجود، الكوكب في السماء والفقاعة في الهواء، موج البحر وأديم الأرض، النبتة الصاعدة والحجر الساقط، القذيفة المنطلقة والجبل الراسخ ... كل ما تراه الأعين وتدركه الحواس لا تراه ولا تدركه إلا وهو يقدم فروض الطاعة والولاء لقوانين نيوتن الصارمة. وكل علم يقتفي أثرها ويسير بهدي إبستمولوجيتها يحرز النجاح تلو النجاح، فيعلو نسق العلم ويتعاظم ويتكامل، حتى بات حلم فرنسيس بيكون بالعلم الكامل الشامل لمجمل هذا الوجود قاب قوسين أو أدنى.
ولم يبق إلا عقد أو عقدان من السنين ليأتي القرن العشرون، وبدلا من أن تقبع هذه الطوبى العلمية الوردية في انتظاره، انفجرت قبيل مجيئه أزمة الفيزياء الكلاسيكية لتعصف بتلك الإبستمولوجيا الواثقة المتفائلة؛ ونظرا للموقع الريادي للفيزياء، تأزم معها العلم الحديث بأسره حتى أصوليات التفكير العلمي، فما هي تلك الأزمة؟
رابعا: أزمة الفيزياء الكلاسيكية
أزمة الفيزياء الكلاسيكية، أو أزمة العلم الحديث في القرن التاسع عشر تتلخص في ظهور وقائع وعلاقات فيزيائية في عالم التجارب العلمية، استحالت أن تنحصر في أطر تلك الإبستمولوجيا أو تبدي خضوعها هي الأخرى لقوانين الفيزياء النيوتينية - أي الفيزياء الكلاسيكية. فقد كانت تؤدي مهامها بنجاح تام حينما كانت مقصورة على الظواهر الميكانيكية، بيد أن العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر شهدت اقتحام الفيزياء لمجالات جديدة، منها مثلا العمليات الحرارية التي أدت إلى علم الديناميكا الحرارية، وتطور أبحاث الضوء والظواهر الكهرومغناطيسية التي كانت فاتحة علم الديناميكا الكهربية، في البداية أمكن إخضاعها لأطر الفيزياء الكلاسيكية بقوانينها وإبستمولوجيتها، ولكنها سرعان ما أفصحت عن حقائق أقضت مضجع الحتمية حتى أطاحت في النهاية بمقولاتها وتصوراتها التي رأيناها ركيزة العلم وإطاره، وكانت تبدو واضحة تماما للحس المشترك، ومن تلك الجبهات التي فتحتها الفيزياء الكلاسيكية على نفسها تسرب الهوينى إلى بنية العلم ما ينقض الحتمية الميكانيكية كتفسير لعالم العلم الكلاسيكي، وما أصاب إبستمولوجيته بالتصدع الذي يؤذن بالانهيار، وأصبح من الضروري التسليم بنظرية نيوتن والفيزياء الكلاسيكية بأسرها، لا كتفسير لطبيعة الكون وترسيم لطبيعة العلم، بل كمجرد حالة محدودة، في إطار معرفي - إبستمولوجي - مختلف تماما. من هنا كان القرن العشرون مرحلة جديدة من التفكير العلمي، أعلى وأكثر خصوبة وثراء بما لا يقارن، فكيف كانت تلك الأزمة قبلا؟