تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن العلم يتوصل إلى القوانين التي تحكم مسار الطبيعة الأوحد؛ لذلك يستنبط أو يتنبأ مما هو حادث بما سوف يحدث في المستقبل، وبما كان من أمر الماضي كما هو - مثلا - في علوم الجيولوجيا والتاريخ البيولوجي والإنساني. تنبؤات العلم يقينية، وكذلك قوانينه ونظرياته، إنه يقين في يقين. واليقين هو التحديد المطلق الجازم الذي لا خطأ فيه ولا احتمال. إنهم يعملون بالرياضيات الإقليدية، ولا يعرفون إلا قيمتي الصدق والكذب، ولا وسط بينهما. صحيح أن الظواهر التي بدت مصادفة وموضع احتمال قد لفتت أنظارهم، حتى إن رجالات ذلك العصر هم مؤسسو الإحصاء وحساب الاحتمال، إلا أنهم فسروه تفسيرا ذاتيا، أي بإرجاعه إلى الذات العارفة وليس موضوع المعرفة، إلى الإنسان وعجزه عن إدراك العلة الحقيقية أو الكافية. نسبة الاحتمال إذن تعبر عن الجهل - فالعلم لا يكون إلا يقينا - وهي مسألة مؤقتة ستضمحل بالتقدم العلمي، لنصل يوما ما إلى اليقين في هذه الظواهر كما وصلنا إليه في سواها. إن اليقين هو التمثيل العيني للعلم بعالم يسير في مسار محتوم.

وأصبح كل هذا مثبتا حين أصبح العلم رياضيا. الرياضيات دائما هي الأنموذج الأمثل لليقين وللضرورة المطلقة. في كل مكان يظل دائما «2 + 2 = 4»، والمثلث شكلا محوطا بثلاثة أضلاع؛ لأن إنكار هذا يعني إنكار أن المثلث مثلث! وطالما أمكن التعبير عن القوانين الفيزيائية في صورة رياضية بلغت حد المعادلات التفاضلية للامتناهي في الصغر - كما رأينا، فمعنى هذا أن الضرورة الرياضية المطلقة قد أصبحت حتمية كونية شاملة، والواقع أن السمة الرياضية هي التي قلبت الحتمية من مبدأ فلسفي - يمكن أن تختلف بشأنه وجهات النظر - إلى مبدأ علمي صريح لا بد وأن يسلم به الجميع تسليمهم بالعلم.

أما الفارق بين الحتمية العلمية وبين الجبرية اللاهوتية أو الأسطورية العتيقة فيتمثل في مبدأ العلية «السببية»، وهي المبدأ القائل: إن كل حدث لا بد له من علة أحدثته، والعلية مبدأ متوشج في الحس المشترك - أي تفكير الإنسان العادي - وأيضا في الفكر الفلسفي، لكنه اتخذ موقع العمود الفقري في العلم الحديث؛ لأن حتمية الظاهرة لا تعدو أن تكون العلة الكافية لحدوثها، فأصبحت مهمة العلم هي تعليل كل الظواهر وتحديد علة كل حدث. أما التسليم بحدث بغير علة فلا يعني إلا إنكار العلم به، وتتلخص قوانين العلم في أحكام علاقة العلة بالمعلول؛ لتتخذ جميعها الصورة المنطقية: إذا كان ... فإن ... دائما طبعا، مما يجعل الطبيعة متصفة بالاطراد

Uniformity ، أي حدوث أحداثها على وتيرة واحدة لا تتغير ولا تتذبذب، في الماضي كما في المستقبل. واطراد الطبيعة هو الذي يدعم القانون العلمي؛ لأن مجرد التفكير في البحث عن قانون يفترض قبلا أن الطبيعة مطردة منتظمة تخضع لقانون ما، نبحث عنه، وبفضل العلية وما تضفيه من اطراد على الطبيعة كان القانون العلمي ذا عمومية مطلقة فلا يحكم حالاته الواقعة أمامنا فحسب، بل كل الحالات المتماثلة التي حدثت في الماضي والتي ستحدث في المستقبل، وطالما هو قانون صادق فلا يشذ عنه شيء، وتغدو الضرورة تحكم الطبيعة بفضل العلاقات الداخلية بين أحداثها، بين العلة والمعلول، وتسير أحداث الكون في تسلسل علي، يجعله أشبه بالسلسلة المحكمة الحلقات، تفضي كل حلقة إلى - وفقط إلى - لاحقتها، مثلما نشأت عن - وفقط عن - سابقتها، فيغدو الكون نظاما مغلقا، مساره مرسوم منذ الحلقة الأولى أو اللحظة الأولى في تاريخه، كما ذكرنا؛ لذا تعد العلية صلب الحتمية العلمية أو وجها آخر لها، حتى إن المصطلحين - الحتمية والعلية - كثيرا ما يستعملان كمترادفين، العلية هي التي تؤكد نظام الطبيعة الحتمي وقانون تسلسل الأحداث فيه، الحدث السابق علة واللاحق معلول، فيتدفق الزمان في اتجاه واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل. إنه الزمان المطلق والمكان المطلق، الثابتان لجميع الراصدين مهما اختلفت مواقعهم، وهما الخلفية الأساسية لفيزياء نيوتن، وعليهما كان قانون نيوتن الأول، قانون القصور الذاتي، الذي ينص أن كل جسم يبقى على حاله ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي، أي «قوة» هي تجسيد للعلية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٥٢