لأن قوانين الحفظ والبقاء
Conservation
من أسس الفيزياء، فإن القانون الثاني للديناميكا الحرارية من أخطر مواطن تلك الأزمة، وقانون بقاء س يعني أنه مهما كانت س فإن المقدار الكلي ل س يبقى على الدوام كما هو. وهذا القانون فرضي، فهو لا يقول أكثر من أننا لم ننجح حتى الآن على الرغم من كل ما بذلناه في تغيير المقدار الكلي ل س، ومع هذا سلم الفيزيائيون تسليما قطعيا لا يقبل نقاشا ولا جدلا حتى منتصف القرن التاسع عشر، بأن هذا الكون يرسو على ثلاثة قوانين أساسية للحفظ والبقاء: (1)
بقاء المادة. (2)
بقاء الطاقة. (3)
بقاء الكتلة.
واستنبطوا منها قوانين حفظ وبقاء أخرى فرعية، كبقاء كمية التحرك «العزم» مثلا. على أن بقاء المادة - بمعنى أن كمية المادة في الكون ثابتة لا تفنى ولا تستحدث - بدا هو الأساس، أما بقاء الطاقة فأحدث نسبيا، وإن كان نيوتن قد بشر به، وقال: إنه يسري بمنتهى الدقة في الظروف المثالية، غير أن جول
J. P. Joule
هو الذي أكده حين أثبت أن الطاقة تتحول، ولا تفنى ولا تنعدم، ولكن تجارب جول نفسه التي أجراها بين عامي 1840م و1850م، بمعية تجارب ماير
D. R. Mayer
عام 1842م، أطاحت بالتصور القديم للحرارة على أنها سيال لا يمكن وزنه أو نتيجة لاهتزاز جزيئات المادة، وأثبتت تلك التجارب أن الحرارة ليست إلا شكلا من أشكال الطاقة، وأن كمية الطاقة داخل أي نظام ما ثابتة أو باقية محفوظة، فإذا فقدها في شكل ما عادت إلى الظهور في شكل حرارة مثلا، مما يعني مبدأ بقاء الطاقة المذكور ليكون أول مبادئ علم الديناميكا الحرارية الذي يدرس الظواهر الحرارية.
هكذا نجد المبدأ الأول للديناميكا الحرارية يتسق تماما مع أسس الفيزياء النيوتنية الكلاسيكية، بيد أن المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية ينقضها بوضوح؛ لأنه ينص على عدم قابلية الظواهر الحرارية للارتداد، فالحرارة لا تنتقل أبدا إلا في اتجاه واحد من الجسم الأسخن إلى الجسم الأبرد، ولا ترتد أبدا في الاتجاه المعاكس من الأبرد إلى الأسخن. وكان العالم النمساوي لودفيج بولتسمان
L. Boltzmann (1844-1906م) هو الذي أثبت أن أسلوب الفيزياء الكلاسيكية في التحديد الفردي اليقيني لا يجدي هنا، ذلك أن كمية الحرارة في جسم ما تتحدد بسرعات جزيئاته التي تتباين تباينا ليس يسيرا، وكل جزيء على حدة له سرعة خاصة به، ولا يمكن تفسير عدم القابلية للارتداد إلا بطريقة إحصائية نحسب بها متوسط سرعة الجزيء، وكلما زاد هذا المتوسط ارتفعت الحرارة، فإذا حدث اتصال مباشر بين جسيم ساخن وجسيم بارد واصطدمت جزيئاتهما السريعة والبطيئة، كان الناتج على وجه الإجمال هو تعادل السرعات عن طريق الصدمات، وهذا تفسير معقول تماما لانتقال الحرارة من الجسم الساخن إلى الجسم البارد، لكنه احتمالي، والاحتمالية هنا ليست جهل الذات العارفة المؤقت بالعلل المحتمة، بل هي احتمالية موضوعية، تفرضها طبيعة الموضوع. هكذا نجد المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية - مبدأ عدم قابلية الحرارة للارتداد - يعصف بالتصور الحتمي الميكانيكي وجدوى التعيين الفردي اليقيني لموقع كل مكون من مكوناته على حدة. إنه أول اقتحام حقيقي للإحصاء وحساب الاحتمال في أعطاف الفيزياء، فكان بولتسمان مؤسسا لعلم الميكانيكا الإحصائية.
على أن نتيجة المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية لا تقف عند تصور الحرارة وشكل انتقالها، وإنما تنسحب على حركة الكون جميعا، فبينما يؤكد المبدأ الأول بقاء الطاقة وبقاء الكون على حاله إلى الأبد - كما تنص الإبستمولوجيا الكلاسيكية - يعني المبدأ الثاني أن حالة الكون تتغير أكثر فأكثر، وأنه لن يبقى على حاله إلى الأبد. فقدم العالم رودلف كلاوسيوس
R. Clausius
لأول مرة في عام 1865م مفهوم الإنتروبي