ويمكن ملاحظة أن هذا التدرج المنطقي للعلوم تبعا لمستوى تعقيد موضوعها يوازيه تدرج عكسي في مستوى تقدمها، ولعله أيضا تبرير منطقي لتدرج مستوى التقدم - من منظور العلم الكلاسيكي على الأقل. فالفيزياء أكثر العلوم تقدما وموضوعها أبسط، وكانت درجة تقدم البيولوجيا آنذاك أقل كثيرا؛ لأن موضوعها أعقد. والعلوم الإنسانية درجة تقدمها أقل وأقل؛ لأن موضوعها أعقد وأعقد وأضيفت إليه كل تعقيدات ظواهر الوعي بعد تعقيدات ظواهر الحياة. والجدير بالذكر أن تشكل نسق العلم على هذا النحو، أدى إلى فكرة سادت آنذاك عن العلم الواحد الموحد، بمعنى رد كل العلوم إلى الفيزياء، ومعالجة سائر الظواهر حتى الظواهر النفسية في حدود ومصطلحات ولغة الفيزياء، في إطار من العلم الموحد الذي كان مشروعا لم يحرز نجاحا، على الرغم من أنه كسائر تصورات العلم الكلاسيكي، يحدوه النجاح الذي أحرزته الفيزياء، وعلى وجه التحديد نظرية نيوتن، المثل الأعلى المطروح والتي حددت إطار نسق العلم الحديث؛ ليكون بحق أنجح المشاريع التي أنجزها الإنسان.
وقد رأينا نسق العلم الحديث يترسم طريقه واضحا، ويقطعه بثقة وثبات من إنجاز إلى إنجاز ومن نصر إلى آخر؛ لأنه استند إلى تصور واضح لطبيعة المعرفة العلمية، وكان أخطر ما في هذا التصور أنه في الوقت نفسه انعكاس لطبيعة موضوع المعرفة، أي تصور لطبيعة الكون والعالم الفيزيقي. وهذا ما يبلوره مبدأ العلم الحديث الذي هيمن على العلم وحكمه من رأسه حتى أخمص قدميه، أي مبدأ الحتمية
Determinism . وقد كانت الحتمية العلمية مبدأ أنطولوجيا «وجوديا» وإبستمولوجيا «معرفيا» في آن واحد، أي تصور لطبيعة الوجود الفيزيقي - طبيعة الكون ومسار أحداثه، ولطبيعة المعرفة به أي العلم وقوانينه. ولا غرو، فلم تكن المعرفة العلمية أو نسق العلم الحديث بأسره إلا تمثيلا مجردا لهذا الوجود الذي نحيا فيه.
40
لم تكن الحتمية آنذاك مجرد مبدأ من مبادئ العلم، بل كانت ركيزة يرتكز عليها وفي الوقت نفسه هدفا منشودا يسعى للوصول إليه، وبين هذا وذاك نجدها أيضا المحك المعتمد طوال الطريق العلمي، وهذا ما عبر عنه كلود برنار قائلا: إنه لا بد للعقل من نقطة ارتكاز أولى، ونقطة الارتكاز هذه هي مبدأ الحتمية المطلقة ولولاها لكان قد قضي على الإنسان وعقله أن يدور في دائرة مفرغة وألا يتعلم شيئا قط،
41
هكذا آمن العلماء، ولم يكتفوا بأن الحتمية هي الأساس، بل سلموا أيضا بأن الغرض الأولي من كل دراسة علمية تجريبية هو تعيين حتمية موضوعها، وصولا إلى الحتمية الشاملة التي هي الحقيقة المطلقة، وبالتالي هدف العلم النهائي، وفي غضون الطريق السائر من ذاك الأساس إلى هذا الهدف المنشود، يظل مبدأ الحتمية أيضا هو المحك التجريبي، والعلاقات الحتمية هي مقياس الحقيقة المنشودة، فيؤكد برنار أنها المبدأ الوحيد الذي يسندنا في وصولنا إلى النظريات العلمية وفي حكمنا عليها.
42
إلى كل هذا الحد سلم العلماء آنذاك بمبدأ الحتمية وبأنه المعبر الوحيد المفضي إلى العلم الحقيقي، وأن إليه يرجع الفضل فيما أصابه العلم من تقدم، والتسليم به سرعان ما جعل قوانين العلم تنطلق بسلاسة من نجاح إلى نجاح أعظم، ومن يقين إلى يقين أدق، ومن الناحية الأخرى أكد اطراد الطبيعة البادي أمام العلماء في ذلك العصر، وتواتر صدق قوانين العلم، خضوع تلك الطبيعة للحتمية، من هنا كانت الحتمية مؤكدة أنطولوجيا وإبستمولوجيا.
أنطولوجيا «أي وجوديا» تعني الحتمية أن نظام الكون مطرد ثابت شامل، لا يشذ عنه في أي زمان ولا في أي مكان شيء، فهو ذو علاقات علية ضرورية ثابتة تجعل كل حدث من أحداثه نتيجة ضرورية «معلولا» لما سبق، ومقدمة شرطية «علة» لما سيلحق أوضاع الكون في أي لحظة محصلة للوضع السابق، تبعا لقوانين ثابتة وهكذا دواليك، حتى إن مجرى الأحداث بجملته حتمته اللحظة الأولى في تاريخ العالم، ومنذ أن تحددت تلك اللحظة والطبيعة تسلك طريقا واحدا لا سواه، يستكشفه العلم، فتعني الحتمية - إبستمولوجيا - عمومية قوانين العلم وثبوتها واطرادها ويقينها، فلا استثناء لها ولا تخلف عنها ولا اتفاق فيها أو جواز أو إمكان أو عرضية، طالما أنه لا مصادقة في الواقع، وكل حدث محتوم وسواه مستحيل.