تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الناحية الأخرى استطاع نسق العلم الحديث أن يستوعب قوانين وفروض ونظريات تحكم ظواهر هذا الوجود، سواء فلكية فيزيوكيماوية أو بيولوجية أو إنسانية.

ثالثا: إبستمولوجيا العلم الحديث

إبستمولوجيا العلم الحديث، أي نظرته لطبيعة المعرفة العلمية ومسلماتها وحدودها وأهدافها ... كانت منبثة خلال كل سطور الجزء السابق من هذا الفصل، ونحتاج فقط لبلورتها وتعيينها لوضع النقاط على الحروف. فقد اتضح أمامنا كيف انتظم العلم الحديث نسقا، والنسقية تعني أن لكل مكون من المكونات موضعه، وفقا لعلاقات منطقية.

هنالك أولا الرياضيات، إنها تاج العلم الحديث وأقنومه رمزه المبجل، تتبارى العلوم في الاقتراب منها والتسلح بلغتها، وتأمل أن تبلغ ما بلغته الفيزياء في هذا. على أن العلوم الرياضية هي علوم صورية

Formal Sciences

تعنى بصورة الفكر دون محتواه، قالب بحت يملأه التطبيق بالمضمون، إنها ملكة العلوم والمبحث الرفيع المترفع عن شهادة الحواس ولجة الواقع والوقائع، فلا تغوص فيه وليس مطلوبا منها أن تأتي بخبر عنه. والرياضيات تتلوها العلوم الإخبارية

Informative Sciences

وهي العلوم التجريبية التي تأتينا بالخبر عن الواقع. وقد رأينا كيف انتظمت في ثلاث مجموعات كبرى هي العلوم الفيزيوكيماوية، ثم الحيوية، ثم الإنسانية. هذا التدرج المنطقي تبعا لدرجة عمومية موضوعها. المقصود بالعمومية

generality

سعة المجال الذي يحكمه العلم المعني، ودرجة العمومية تتناسب طرديا مع درجة البساطة، أي عكسيا مع درجة التعقيد. والمقصود بالتعقيد كثرة المتغيرات والعوامل الفاعلة؛ لهذا كانت الفيزياء في المقدمة، قمة العلوم الإخبارية. فموضوع الفيزياء الكلاسيكية المادة في الزمان والمكان، مجمل عالم الظواهر، مجال شتى العلوم الإخبارية، فبدت قوانين الفيزياء كإطار لهذا الكون، لعالم العلم، قوانين الفيزياء هي الأكثر عمومية، تنطبق على مجمل موضوعات العلم، فلا بد وأن تسلم بمسلماتها كل فروع العلم الأخرى، ما دامت تضطلع بالإخبار عن هذا العالم.

وينتقل العلم إلى المجموعة الثانية، مجموعة العلوم الحيوية التي تدرس موضوعا أعقد من مجرد المادة. إنها المادة التي أضيفت إليها القدرة على القيام بوظائف الحياة، فلا بد وأن نضيف القوانين والفروض العلمية المختصة بظاهرة الحياة ووظائفها. وكما أوضح داعية الفلسفة العلمية، العالم الفيزيائي هانز رايشنباخ

H. Reichenbach (1891-1953م) الفيزياء - كما نرى - ليست علما موازيا للبيولوجيا، بل علما أكثر أولية يحكم حركة المادة بأسرها، بينما لا تحكم البيولوجيا إلا قطاعا محددا من المادة هو المادة العضوية الحية فحسب، لكن قوانين الفيزياء تشمل المادة الحية وغير الحية على السواء، بينما تقتصر البيولوجيا على دراسة تلك القوانين التي تسري مع القوانين الفيزيائية على الكائنات الحية. وبالتالي ينبغي أن تلحق القوانين البيولوجية بالقوانين الفيزيائية حتى تكتسب دقتها وعموميتها. ويساعد البيولوجيا على هذا أنها لا تملك استثناء للقوانين الفيزيائية؛ فالجسم الحي يسقط كالحجر تماما ولا يمكنه أن ينتج طاقة من لا شيء،

39

والعمليات الكيميائية تجري داخله كما تجري خارجه. ما يحدث هو مزيد من التعقيد. هكذا تتكامل العلوم البيولوجية مع العلوم الفيزيوكيميائية، وهاتان المجموعتان الفيزيوكيماوية والبيولوجية يمكن أن يمثلا معا مجموعة علوم المادة، الجامدة والحية، التي تقابل المجموعة الثالثة وهي مجموعة العلوم الإنسانية، موضوعها أعقد وأعقد، فلن تكفي قوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وإن كانت بالطبع تنطبق على الإنسان حين يسقط من عل وفقا لقانون سقوط الأجسام الفيزيائي، وحين تؤدي أعضاؤه وظائفها وفقا لقوانين البيولوجيا. ومن أجل الإحاطة بالظواهر الإنسانية لا بد وأن ينضاف إلى هذا وذاك قوانين أو فروض أو نظريات تتناول ظواهر الوعي الفردي والجمعي بسائر تشكلاته وتمثلاته ونواتجه، وهذه هي العلوم الإنسانية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٥٠