وإذ نعود إلى التقدم الذي أحرزته علوم الحياة والدفعة التي أعطاها كلود برنار للفيزيولوجي، نجد أن ذلك القرن الخصيب - التاسع عشر - يشهد كشوفا في فيزيولوجيا الجهاز العصبي خصوصا مع دراسات الألماني يوهانس مولر
J. Muller (1801-1885م) ومبدئه القائل إن كل عصب ينتج نوعا واحدا فقط من الإحساسات بصرف النظر عن المؤثر الحسي ذاته. وبتطوير المناهج المعملية الملائمة، أرسى رجال جملتهم ألمان، أمثال فيبر
Weber ، وهلمهولتس
Helmholtz ، وفخنر
Fechner ، وفونت
Wundt
أسس علم محدد للسيكوفيزيقا، أصبح فيما بعد علم النفس الفسيولوجي. وانتشرت هذه الحركة سريعا من ألمانيا إلى إنجلترا وأمريكا، حتى تبلورت مع فيلسوف أمريكا الرائد وليم جيمس
W. James (1842-1910م) في كتابه «مبادئ علم النفس» الصادر عام 1890م، وفيه يزهو بأنه يتناول علم النفس كعلم طبيعي،
37
وهذا كتاب يضع نهاية لمرحلة وليس فاتحة طريق،
38
نهاية المرحلة التجريبية الحسية لعلم النفس التي أنجزها القرن التاسع عشر كانت ضرورية، لكنها بدائية أو مبدئية تغفل تميز الظواهر النفسية، وبوضع هذا التميز في الاعتبار نضجت علمية علم النفس في القرن العشرين، متمثلة في مدارس عديدة، أبرزها القصدية والجشتلط وتحليلية فرويد وأشياعه وسلوكية واطسن وسكينر وقرنائهما، وأخيرا علم النفس المعرفي في الثلث الأخير من القرن العشرين. ولا شك أن ميراث العلم الحديث في القرن التاسع عشر كان مقدمة ضرورية.
ولعلنا لاحظنا أن تطور العلم الحديث وتقدمه في مساره الواعد كان من زاوية ما عملية تخلص متوال من مفاهيم وكيانات لا علمية، منذ مفهوم الحركة الكينماتيكية المستقلة عن أي قوة أو مؤثر حتى الفلوجستون والقوى الحيوية والغائية ... وبالمثل تخلص علم النفس تباعا من مفاهيم تعرقله كعلم وتعوق طريقه إلى نسق العلم الحديث، من قبيل مفاهيم الروح والأنا الترانسندنتالية والوعي التحتي والنفسي الكلية وما قبل الشعور والإدراك اللاواعي والجوهر العقلي. انتهى أيضا مفهوم «القوى العقلية» الرديف السيكولوجي لمفهوم «القوى الحيوية» بكل بواعثه الكامنة في التشبث بالجهل المريح والبعد عن نسق العلم الحديث بمثالياته الصارمة، هجره علماء القرن التاسع عشر هجرانهم لمفهوم القوى الحيوية ، وأيضا تبتلا للتصور الميكانيكي الحتمي. واضطلع يوهان هربارت
J. Herbart (1776-1841م) بمحاولة لإقامة علم نفس يمكن أن يكون علم ميكانيكا العقل، قائم على منهج الاستبطان (أي تأمل الفرد لذاته أو حياته الباطنية كوسيلة لاستكشاف النفس وإقامة علم النفس)، ويستعين ببعض الفروض الفلسفية عن ماهية العقل وإمكانياته وببعض القوانين الرياضية. وكان هدف هربارت من هذا الجهاز المعقد هو إثبات أنه مهما كان استقلال العقل عن المادة، فإن له هو الآخر طبيعة ميكانيكية، بلغت مثل هذه الجهود نضجها مع أبحاث العالم الروسي إيفان بافلوف
I. Pavlov (1849-1936م) في أنشطة الجهاز العصبي في الإنسان والحيوان عن طريق آلية ردود الأفعال الشرطية المنعكسة التي تنطبق في الإنسان والحيوان على السواء. فأرسى بافلوف أسس علم النفس الحيواني، وانزاحت تماما فرضية ديكارت بأن الحيوان آلة، بينما للإنسان الجوهر العقلي والإرادة الحرة. لقد أصبح الكل سواء في خضوعه لمد العلم الحديث والانضواء في أطر نسقه العظيم.
إن علم الاجتماع هو أكثر فروع العلوم الإنسانية عمومية، يكاد يماثل وضع الفيزياء بالنسبة لنسق العلم ككل، فهو يتناول النسق الاجتماعي نسق الأوضاع الإنسانية حيث تتفاعل شتى العوامل ككل متكامل، بينما علم النفس هو الأكثر خصوصية وجزئية؛ إذ يبحث سلوك الفرد؛ لذلك يقال: إن علمي الاجتماع والنفس هما قطبا العلوم الإنسانية أو القوسان اللذان يقوسانها، وإلقاء الضوء على نشأتهما الناضجة في القرن التاسع عشر يوضح كيف انفتح الطريق أمام العلوم الإنسانية بمختلف فروعها لتلحق بمسيرة العلم الظافرة. وتحتل مواضع في نسقه وتتفتح أكمامها العلمية بري إبستمولوجيته، وقد شهد القرن التاسع عشر أيضا - بخلاف القطبين الكبيرين النفس والاجتماع - نشأة فروع أخرى من العلوم الإنسانية، كعلم الاقتصاد على يد آدم سميث، ثم طريقه الجديد مع كارل ماركس، واستقام جذع علوم السياسة ومنها الاقتصاد السياسي، وأصبحت الجغرافيا علما دقيقا منضبطا يستعين بالرياضيات في بعض فروعه، واستحدثت مناهج دقيقة وأكفأ للتأريخ وللكشف عن آلية التاريخ الكبرى ... إلخ. وصحيح أن العلوم الإنسانية لم تحرز نفس درجة التقدم التي أحرزتها العلوم الطبيعية، وإلى حد يمثل مشكلة ملحة سنبحثها في الفصل السادس، لكنها أثبتت ذاتها كعلوم منتمية لنسق العلم وانفتح أمامها طريقه الواعد بمزيد من التقدم دائما.