Fluxional Method .
26
فلكي يحسب نيوتن قوة الجاذبية المبذولة من جسم كروي صلب على نقطة خارجة، كان عليه أن ينظر إلى الجسم الكروي وكأنه مؤلف من عدد كبير جدا من جسيمات لا متناهية الصغر لدرجة أن كلا منها يمكن معاملته بصورة تقريبية كما لو كان مجرد نقطة، وهي تؤلف معا قوى جذب صغيرة جدا يبذلها كل من الجسيمات اللامتناهية الصغر على النقطة الخارجية محل البحث، ولكي يعين نيوتن الحد الذي يمكن أن تقترب منه محصلة القوة كان عليه أن يجعل الجسيمات أصغر وأصغر، وعددها أكبر وأكبر، وهذا ما يجب تسميته بمشكلة التكامل. ولننظر الآن إلى مشكلة تعيين مسار جسم انطلق من مدفع بسرعة مبدئية معينة، ثم ترك بعد ذلك ليتحرك تحت تأثير مركز جاذبية، لنلاحظ أن المبادئ الديناميكية المطلوبة هي تماما تلك التي استعملها جاليليو في تعامله مع مسار قذيفة المدفع. غير أن المشكلة الآن أكثر تعقيدا، فمع جاليليو كانت القوة المؤثرة على القذيفة ثابتة في المقدار وفي الاتجاه خلال العملية كلها، أما مع نيوتن، فإن القوة تتغير باستمرار في المقدار، بسبب دخول فرض الجاذبية؛ لذلك كان عليه أن يتعامل مع سرعات تختلف من لحظة إلى أخرى، والحق - كما يقول برود - أننا نطلب في كل مشكلة ديناميكية مفهومي السرعة اللحظية والعجلة اللحظية. وواضح أن هذه المشكلة في غاية الصعوبة والتعقيد، وإذا حصرنا أنفسنا تماما في لحظة منفردة، فإن الجسيم لا يتحرك على الإطلاق، وإذا أخذنا تاريخ الجسيم خلال أية فترة زمنية مهما كانت قصيرة، فليس ثمة اتجاه واحد معين ومقدار واحد معين يمكن أن نعزوه لسرعة هذا الجسم ... مثل هذه المفاهيم وقوانينها هي ما عرفه نيوتن وحدده في نظريته عن التفاضل أو حساب اللامتناهي في الصغر أو بمصطلحه طريقة الدفق. بالطبع كان ثمة جهود في هذا العلم من قبله، لكنها مشتتة ومبعثرة، ونيوتن هو الذي جمعها في نسق موحد على صورة علم رياضي دقيق هو حساب التفاضل والتكامل، ربما ينازعه في هذا الشرف معاصره الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهلم ليبنتز
Leibniz, W. G. (1646-1716م)، وبلا جدال كان في يد نيوتن منهاجا عاما يمكن بواسطته حساب معدلات التغير في السرعة، ولم يكن العلماء من قبل يعرفون أن مشكلة تعيينها عكس مشكلة التفاضل، نيوتن هو الذي أدرك كل هذا ورسم السبل الدقيقة للخوض في غماره.
والآن يبدو أمامنا بوضوح مدى الاتحاد الكامل، أو بالأحرى المتكامل، بين الفيزياء ولغة الرياضيات، وكانت المعادلات التفاضلية هي التي حسمت القول في انسحاب الضرورة الرياضية إلى حتمية فيزيقية أو علمية.
كان القرن السابع عشر الذي شهد في بدايته بيكون وفي نهايته نيوتن، عصر ازدهار وتوقد العبقرية الإنجليزية، تواترت عبره إسهامات الإنجليز لتشييد النظام الديمقراطي للحكم وتشييد نسق العلم الحديث. وبالطبع يتربع نيوتن على القمة، تركزت جهود الفيزيائيين بعده على تأكيد وتأمين وإكمال نسقه. خفت حدة الإبداع في القرن الثامن عشر، والخطوات الهامة التي تمت فيه لم تكن إنجليزية، انتقلت ساحة الإنجازات العلمية اللافتة إلى القارة الأوروبية، حتى حساب التفاضل والتكامل توقف في إنجلترا، بينما عمل علماء أوروبا على تطويره ودفعه للأمام.
ربما يستوقفنا سيمون بيير دو لابلاس
S. P. De Laplac
الملقب بنيوتن فرنسا بسبب أعماله الهامة في كتابه «حركة الأفلاك السماوية»، فضلا عن تأسيسه حساب الاحتمال بكتابيه «مقال فلسفي في الاحتمال»، و«النظرية التحليلية للاحتمال».
تعرض لابلاس لمشكلة ضخمة هي الرجوع في حركة الكواكب، أي إنها لا تتحرك بشكل منتظم تماما. وقد أشار تلميذ نيوتن النجيب إدموند هالي
E. Hally (1656-1742م) إلى أن المشتري وزحل خلال حوالي تسعمائة عام يتأخر أحدهما عن الآخر، ثم يعود فيسبقه، كأن بينهما سباقا يحتلان فيه أماكن غير الأماكن المنتظرة، وقد أحس نيوتن نفسه بالقلق من هذه الظاهرة؛ مخافة أن يصطدم الكوكبان ببعضهما في وقت ما، مما يؤدي إلى انهيار الكون. لم يتوصل العلماء إلى حل جذري لمشكلة سلوك ثلاثة أجسام تتجاذب فيما بينها حسب قانون التربيع العكسي. غير أن هذا لم يمنع لابلاس من معالجة موضوع أعقد هو تجاذب كافة الكواكب فيما بينها وبين الشمس، وفي هذه المعالجة أوضح أن الرجوع في حركتي المشتري وزحل لا يتراكم، بل يعود فيصحح نفسه تدريجيا. وفي هذا تأمين معقول لمستقبل الكون، وكأن نظرية لابلاس جاءت كحصن أمان لحسن سير آلة الكون النجومية، أما التخبط وعدم النظام المشاهد فهو شيء ثانوي يصحح نفسه تلقائيا، فكتب لابلاس يقول: