تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الحركة غير المنتظمة لهذين الكوكبين كانت تبدو أول الأمر، ولا تفسير لها من وجهة نظر قانون الجاذبية العام، أما الآن فإن هذه الحركة ذاتها تعتبر أحد الأدلة الرائعة على سلامته، هذه صورة مميزة للنظام الحق للطبيعة. إن كل صعوبة تبرز أمام هذا الكشف الرائع تعود فتصبح دعامة من الدعامات القوية التي تبرهن عليه.

27

ومن أمثال هذه الصعوبات التي عارضت نظرية نيوتن في البداية ثم عادت لتثبتها انحرافات في مسار كوكب أورانوس، فتقدم جون آدامز من إنجلترا وأوربان لوفرييه من فرنسا بافتراض عن وجود كوكب وراء أورانوس يؤثر على حركته الخاضعة لقانون الجاذبية. وفي عام 1846م اكتشف الفلكي الألماني جاله بمقرابه هذا الكوكب وهو نبتون؛ ليكون تأكيدا قويا على صحة النسق النيوتوني؛ لهذا لا نلوم علماء ذلك العصر؛ إذ استقر في روعهم أن نيوتن اكتشف حقيقة هذا الكون، وصاغها صياغات رياضية دقيقة، فكان نسق الفيزياء الرياضية إطارا لمجمل نسق العلم بهذا العالم.

وكان من الطبيعي أن تندرج سائر علوم المادة كالكهربية والمغناطيسية وغيرها في هذا النسق، وتهدف جميعها إلى وضع قوانين تضاهي قوانين نيوتن في دقتها الرياضية الفائقة ونجاحها وصدقها الذي بدا يقينيا، وتواترت جهود العلماء لتنعش هذا الأمل. كان تورتيشللي في إيطاليا قد أثبت أن للهواء ضغطا يقل بازدياد الارتفاع ويمكن إخضاعه للتكميم الدقيق. ووضع بويل القانون الرياضي الخاص بالعلاقة العكسية بين ضغط الغاز وحجمه. وأظهر دالتون الأساس الفيزيقي في سلوك العناصر الكيميائية، بينما أظهر همفري دافي أساسه الكهربي. أما فاراداي فقد أوجد الرابطة بين الحركة الآلية وحدوث التيار الكهربي، ثم استطاع جيمس كلارك ماكسويل توحيد الظواهر الكهربية والمغناطيسية والضوء في معادلات تفاضلية من أعظم إنجازات العقل الفيزيائي، أثبتت أن جميع صور الطاقة متطابقة أصلا.

وقد يبدو الطريق ميسرا معبدا أمام الكيمياء، قرينة الفيزياء وأقرب العلوم الإخبارية إليها، فضلا عن أنها أعرق المناشط التجريبية للإنسان، فرضت عليه تعامل فرنسيس بيكون الحي مع المادة واستجوابها، والإنصات لشهادة الحواس بشأنها واستقراء متغيراتها، منذ أن كان لزاما عليه في العهود السحيقة تدبير احتياجاته العملية من قبيل الفخار والزجاج والأصباغ وتقطير الخمور والعطور والأشكال البدائية للعقاقير والأدوية. كانت هذه البدايات الخام تجريبية، لكنها حرف عملية تفتقر إلى الأساس النظري، ثم اقتربت الكيمياء من الإطار النظري والمنظومة المعرفية - المهوشة طبعا - منذ أن استبد بالإنسان القديم الحلم الجامح بتحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب بغية الثراء السريع. وفي سياق الجهد المشبوب والفاشل لتحقيق هذا الحلم تخلف رصيد هائل من المعارف بشأن طبائع المواد وتحولاتها، طبعا مشتت ومبعثر، لكنه منطلق كيمياء جابر بن حيان، وبالتالي السلف التاريخي للكيمياء الحديثة التي خرجت من أعطاف العلم المعني بتحويل المعادن إلى ذهب واكتشاف إكسير الحياة الذي يشفي من كل الأمراض - أي علم الخيمياء أو السيمياء

Alchemy ، مثلما خرج الفلك الرياضي الرائع من أعطاف علم التنجيم الذي يستكشف طوالع البشر وحظوظهم عن طريق البروج السماوية وحركات الكواكب! وسبحانه يخرج الحي من الميت.

التراث الطويل العريض للكيمياء - أو السيمياء - جعل عالمها ملبدا بكم هائل من الخرافات والتهاويم والتصورات الخزعبلية، عرقلت طريق الكيمياء للحاق بركب العلم الحديث، أبرز هذه الأفكار الخزعبلية التي هيمنت على الكيمياء في عصر العلم الحديث فكرة الفلوجستون

Phlogiston ، وهي كلمة إغريقية تعني النار أو الشعلة أو الاحتراق. والفلوجستون شيء مشترك بين كل العمليات الكيميائية من احتراق وتكلس واستخلاص الفلزات من خاماتها، ومقدار الفلوجستون في بعض الأجسام قليل وفي بعضها كثير، وهذه الأخيرة سريعة الاشتعال، وقد تكون النار نفسها مظهرا من مظاهره تعمل معه أو على أساسه. قال بهذه النظرية الألمانيان يوشيم يوهان بيشر

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٤٤