وهذا ما فعله نيوتن وهو في الثالثة والعشرين من عمره عام 1666م بالمعطيات التي كانت متاحة في ذلك الحين، وعلى أساسها حسب فترة دوران القمر، وكانت حوالي 23,3 يوما، لكن الفترة الفعلية حوالي 27,3 يوما، على هذا فالفارق حوالي 16٪، رآه نيوتن فارقا كبيرا واستنتج منه أن الفرض خاطئ، وطرح الفكرة تماما من ذهنه طوال الستة عشر عاما التالية. وفي يونيو (حزيران) عام 1682م دارت في اجتماع الجمعية الملكية للعلوم مناقشة حول قياس بيكارد
Picard
لنصف قطر الأرض، انتبه نيوتن إلى أن نصف القطر الحقيقي هو 3956 ميلا، وليس كما اتخذه في حساباته الماضية ، ومن ثم أعاد تلك الحسابات فور عودته إلى كمبردج على أساس تصويب قيمة نصف قطر الأرض، فانتهى من حساباته إلى أن القمر يتم دورته في سبعة وعشرين يوما، بفارق أكثر قليلا من 1٪، أي يمكن إهماله، فيمكن إذن استصواب توحيد قوة الجاذبية السماوية والأرضية.
والآن على نيوتن أن يضع في اعتباره أن الأرض والشمس والكواكب ليست في الواقع نقاطا رياضية، وأن الكواكب تدور في أهليلجات وليس في دوائر، وأن سرعة دوران الكوكب ليست مطردة، ولمواجهة هذا المطلب نجح نيوتن في إثبات واحد من أجمل فروضه أو نظرياته، وينص على معاملة الجسم الكروي كما لو كانت كل كتلته في مركزه، وجاذبيته على أية نقطة خارجة عنه تحسب على هذا الأساس. وبهذا الفرض نجح نيوتن في إثبات أن الجسم المتحرك حول مركز ينجذب نحوه تبعا لقانون التربيع العكسي الذي يعني أن الطاقة أو القوة تتناقص تبعا لمربع البعد عن المصدر، وأن هذه صيغة تصف الحركة الإهليليجية حول المركز من حيث هو بؤرة، وبهذا ثبتت قوانين كبلر، وثبت فرض الجاذبية العام، أعظم إنجازات العقل الفيزيائي في تلك المرحلة، والذي ضم الأرض والسماء معا في خضوعهما لقانون واحد من آيات العلم الحديث.
وقد استأنف نيوتن أبحاثه في الجاذبية، بأن عمل على تطبيق قوانينه لتفسير ظواهر معينة راجعة إلى تأثير جاذبية الأجسام السماوية على الأرض، مثل ظاهرة المد والجزر، وطبقها أيضا لتفسير الانحرافات الصغرى في حركة الكواكب خصوصا حركة القمر، والتي تعود إلى أن كل جسم ينجذب إلى حد ما بواسطة كل الأجسام الأخرى في النظام الشمسي، هذا بالطبع بخلاف إنجازات أخرى جمة لنيوتن، أبرزها اهتمامه بالبصريات النظرية والتجريبية، وعن طريق منشوره الشهير حلل الضوء إلى أطيافه السبعة، وصنع أول مقراب «تلسكوب» عاكس يعالج الزيغ الضوئي الناجم عن العدسات المستخدمة في المقاريب الأخرى. وقد فكر في هذا المقراب كثيرون قبل نيوتن أبرزهم الفيلسوف الفرنسي ديكارت، والصورة البدائية التي صنعها نيوتن وأهداها إلى الجمعية الملكية للعلوم قد تطورت مع الأيام، حتى وصلت في القرن العشرين إلى مقراب عملاق تكلف ملايين الدولارات ووضع على جبل بالومار. ثم شهد هذا القرن المقاريب الإلكترونية التي تضاعفت قدراتها بصورة مبهرة، كالمقاريب الفلكية المحمولة على أقمار صناعية تدور في مدارات حول الأرض كمقراب هابل ومقراب شاندرا، وهذا الأخير بدأ إطلاقه في التاسع والعشرين من يوليو عام 1999م، في ذكرى مرور ثلاثين عاما على هبوط الإنسان (نيل أرمسترونج) على سطح القمر.
على أن الإنجاز النيوتني الذي قام في نسقية العلم الحديث بدور يقارن بدور فرض الجاذبية، بل يفوقه، إنما يكمن في الجهاز الرياضي المهيب اللازم للقوانين الفيزيائية، وقد أحرز كمالا يحتذى على يد نيوتن. كان ديكارت قد ابتكر الهندسة التحليلية لاستخدام الجبر في حل المشاكل الهندسية، كوسيلة لحساب الكميات في رسوم جاليليو التخطيطية لحركة الأجسام. وقد اهتم نيوتن بكلا الجانبين ليكسبهما دقة أعظم، ومثلما ساهم في تطوير ميكانيكا جاليليو، ساهم أيضا في تطوير الهندسة التحليلية، وفروع أخرى من الرياضيات. ويتقدم إنجازه الأعظم وهو اختراع أداة رياضية فعالة احتاجتها أفكاره الفيزيائية اللامعة، إنها حساب التفاضل والتكامل، وإن لم يعطه هذا الاسم، بل أسماه طريقة الدفق