تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتقدم المهم الآخر الذي أحرزه نيوتن هو تقديم مصطلح الكتلة وتمييزها عن الوزن. الكتلة هي مقدار ما يحتويه الجسم من مادة، أما الوزن فهو مقدار جذب الأرض للجسم، وتتناسب عجلة السرعة التي تحدثها القوة مع كتلة الجسم، بحيث يمكن قياس القوة بحاصل النسبة بين كتلة الجسم والعجلة التي أحدثتها القوة عليه في اللحظة المعينة. وكل الأجسام تسقط على الأرض بنفس العجلة - كما أوضح جاليليو، ويتبع ذلك أن قوة الجاذبية - أي الوزن في أي مكان معين - تتعادل مع الكتلة، وتكفي هذه المفاهيم لصياغة الديناميكا، لكن ثمة احتياج لمبدأ آخر هو ما صاغه نيوتن في القانون الثالث، فلنفترض أن الجسم أ يحدث قوة على الجسم ب، يرى نيوتن أن هذا مجرد جانب واحد من العملية المتبادلة؛ لأن الجسم ب يجب أن يمارس قوة على الجسم أ، واستنتج من هذا أن الأفعال

action

المتبادلة لمجموعة من الأجسام لا يمكن أن تغير حركة أو سكون مركز جاذبيتهما. هكذا صاغ نيوتن المبادئ الكاملة التي تنطبق على كل الحركات. حقا أن هذه الصياغة مستحيلة بدون جهود جاليليو السابقة، بيد أن هذا لا ينفي أنها من أعظم إنجازات العقل البشري. وإذا نظرنا إلى صعوبة المهمة لن يدهشنا - كما يرى برود - أنها تحتاج إلى تكامل عقلين عظيمين مثل: جاليليو ونيوتن.

ونستطيع الآن أن نفهم توصل نيوتن إلى قانون الجاذبية العام

Gravity (أو التثاقل في ترجمة أخرى للمصطلح)، فطالما أن الكواكب تدور حول الشمس، والقمر يدور حول الأرض، وأقمار المشتري تدور حوله؛ فلا بد أن ثمة قوة في كل حالة من هذه الحالات تؤثر دائما على تلك الأجسام المتحركة وتمنعها من الاستمرار في طريقها بسرعة مطردة في خط مستقيم. إن قانون كبلر الثاني عن المساحات المتساوية في الأزمنة المتساوية يمكن أن يكفي، لكن إذا - وفقط إذا - كانت القوة تؤثر على طول الخط الذي يربط الجسم المتحرك بالجسم المركزي. فوجد نيوتن نفسه أمام ثلاثة تساؤلات هي: (أ)

هل القوة هي نفسها في كل حالة؟ (ب)

وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تتغير القوى على المسافة بين الجسم المتحرك والجسم المركزي؟ (ج)

هل يمكن أن تكون هذه القوة السماوية هي نفسها قوة ما أخرى نعلمها على كوكب الأرض؟

تأتي الإجابة على السؤال الأول من أن أقمار المشتري تتبع قانون كبلر الثاني والثالث في حركتها حول المشتري، تماما كما تتبعهما الكواكب في حركاتها حول الشمس، مما يعني أن القوة هي ذاتها في الحالتين. أما بالنسبة للسؤال الثاني، فعلى الرغم من أن الكواكب تدور في مدارات أهليليجية (أي بيضاوية) الشمس إحدى بؤرتيها، وليست في دائرة الشمس مركزها، فقد يحدث أن تكون الأهليلجات قريبة جدا من الدوائر، وبالتالي البؤرة قريبة جدا من أن تكون مركزية. وعلى الرغم من أن سرعة أي كوكب ليست مجرد مسألة نقاط، بل أجساما ضخمة تتحرك، إلا أنه يمكن مقارنة أبعادها بأنصاف أقطارها، لدرجة تمكننا من التعامل معها ببساطة على أنها نقاط كتل. وعلى هذا يمكن افتراض أن الشمس والكواكب جسيمات كتلية، وأن كل كوكب يدور حول الشمس بسرعة ثابتة خاصة به تميزه. وبهذا الفرض المبسط يمكن إيضاح الزمان الدوري للكوكب متصلا ببعده عن الشمس بالطريقة التي ينص عليها قانون كبلر الثالث، إذا - وفقط إذا - كانت القوة التي تجذب كل كوكب إلى الشمس تتناسب طرديا مع حاصل كتلتي الجسمين وعكسيا مع مربع المسافة بينهما.

وكانت الخطوة التالية كالآتي: ألا يمكن أن تكون القوة التي تحفظ الكواكب في مداراتها حول الشمس وتحفظ أقمار المشتري في مداراتها حوله، وقمر الأرض في مداره حول الأرض ... هي ذاتها القوة التي نلم بها على سطح الأرض بوصفها الجاذبية «أو التثاقل»؟ أي السؤال «ج». وقد عمل نيوتن على اختبار هذا الفرض، بالنظر إلى نتائجه فيما يتعلق بحالة القمر، فيحسب جاذبية الأرض على أساس كتلتها ومربع نصف قطرها، ويحسب القوة التي تؤثر بها الأرض على القمر على أساس الكتلة ومربع المسافة بينهما، فيستطيع بسهولة أن يحسب فترة دوران القمر حول الأرض، على أساس الفرض التبسيطي بأنه يسير بسرعة مطردة وفي مدار دائري، فإذا اتفقت الفترة المحسوبة لدوران القمر مع الفترة الفعلية سيصدق الفرض، ويمكن اعتبار القوة التي تحفظ الأقمار والكواكب في مداراتها هي ذاتها القوة التي تجعل الأجسام تسقط على سطح الأرض، أي الجاذبية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٤١