تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

على أية حال بدأ نسق العلم وكأنه شارف الاكتمال حين وضع نيوتن الصياغات الرياضية الدقيقة لقوانينه الثلاث للحركة، وهي: (1)

كل جسم يظل على حاله سكونا أو حركة في خط مستقيم، ما لم يجبره مؤثر خارجي على تغير حالته. وهذا هو قانون «القصور الذاتي

Inertia » (القصور الذاتي يعني أن الجسم قاصر بذاته عن تغيير حالته، ولا بد من مؤثر خارجي هو «القوة»). (2)

معدل التغير في العزم (كمية التحرك

Momentum ) يتناسب مع القوة المؤثرة على الجسم، ويكون اتجاه العزم نفس اتجاه القوة المؤثرة. (3)

لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس في الاتجاه.

وبدا نيوتن وكأنه وصل بنسق العلم إلى الذروة حين وضع الصياغات الرياضية لأعظم فروضه طرا وأكثرها عمومية وشمولية، والذي أحكم قبضة العقل على كل وأية حركة في هذا الكون؛ أي فرض الجاذبية العام الذي ينص على أن كل جسمين بينهما قوة تجاذب تتناسب طرديا مع كتلتيهما وعكسيا مع مربع المسافة بينهما. فوضع نيوتن لأول مرة في تاريخ البشرية نظرية تحكم كل وأية حركة في هذا الكون، وأمكنه أن يضم المرحلتين السابقتين في نسق العلم، أي الحركتين السماوية والأرضية في نسق فيزيائي متكامل. وبحكم عمومية الفيزياء وشموليتها وتربعها على قمة العلوم الإخبارية أصبح هذا هو الإطار العام للعلم الحديث بأسره. لقد أيقن الجميع أن نيوتن اكتشف حقيقة هذا الكون، وهو أنه قد قد على قد آلة ميكانيكية ضخمة مغلقة على ذاتها، من مادة وطاقة «قوى» تسير تلقائيا بواسطة عللها الداخلية وتبعا لقوانينها الخاصة في مسار صارم، تفضي كل مرحلة من مراحلها إلى المرحلة التالية، أي يؤذن حاضرها بمستقبلها، ولم يبق إلا رتوش تفصيلية لتكتمل الصورة النهائية لنسق العلم بالعالم.

وقد قدم فيلسوف العلم الإنجليزي تشارلي دنبر برود

C. D. Broad (1887-1971م) عرضا بديعا وسلسا لكيفية توصل مواطنه إيزاك نيوتن إلى هذه القوانين،

25

فأشار إلى أن نيوتن قد بدأ عمله بمبادئ الديناميكا التي يمكن وصفها بأنها تعميمات للنتائج التي توصل إليها جاليليو في بحثه للأجسام الساقطة والقذائف المجاورة لسطح الأرض. وقد لاحظ نيوتن أن جاليليو تعامل مع الحركة تبعا لشروط خاصة مبسطة، من قبيل أنها حدثت في مجال قوى من نوع واحد، وأن مجال القوة مطرد، والقوة نفسها من نوع مخصص جدا بحيث لا تكشف عن الكتلة كمتميزة عن الوزن، فضلا عن أن جاليليو لم يأخذ في اعتباره دوران الأرض حول محورها وحول الشمس، وبينما تعامل جاليليو مع الحركة وفقا لتلك الشروط، كان إنجاز نيوتن العظيم هو صياغة فئة من المبادئ تنطبق على أية حركة مهما كانت، وبصرف النظر عما إذا كان سببها الجاذبية أو الكهربية أو أي نوع آخر من القوة، فقط احتاج نيوتن إلى توضيح أفكار معينة عن الزمان والمكان والحركة تركها جاليليو غامضة. فالجسم الذي يتحرك في خط مستقيم من سطح الأرض يصف مسارا شديد التعقيد وبسرعات مختلفة، وكذلك إذا أخذنا الشمس في الاعتبار، وإذا قيست استمرارية الحركة بمقدار الماء المتساقط بانتظام من خزان مثلا سيبدو الجسم متحركا بسرعة ثابتة مطردة، أما إذا قيست استمرارية الحركة ببندول ساعة فلن تبدو سرعة ذلك الجسم ثابتة مطردة، ومن العبث صياغة مبدأ القصور عن استمرارية الجسم في حركته في خط مستقيم بسرعة مطردة ما لم يؤثر عليها مؤثر خارجي، إذا لم نحدد معيارنا لاستقامة واطراد الحركة وثبات السرعة. وقد واجه نيوتن هذه الصعوبة عن طريق التسليم بكيانين واتخاذهما مصادرة؛ وهما المكان المطلق والزمان المطلق، فصاغ قانون القصور الذاتي في حدود الحركات التي تصف مسافات متساوية على طول خط مستقيم في المكان المطلق خلال فترات متساوية من الزمان المطلق، فقام العلم على أساس مكين هو تحرك الكتل في المكان والزمان المطلقين.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٤٠