73
وإذا كان عالم نيوتن، تلك الآلة الميكانيكية العظمى التي تسير وفقا لقوانينها الذاتية وبفعل عللها الداخلية في زمان ومكان مطلقين، إزاء أي مراقب في أي وضع كان وبأية سرعة كانت، وكل ما عليه فقط أن يراقبه من وراء ستار إذا كان هذا هو عالم نيوتن، فإن عالم النسبية ليس هكذا البتة ولا بد من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة المراقبة. ولا تتأتى الملاحظة أصلا في العالم الكمومي أو عالم الإلكترونات والجينات بغير فرض يفترض العقل ويستنبط منه وقائع الملاحظة. هكذا أصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق من قلب الواقع الإنساني بحدوده المعرفية ومتغيراته التاريخية، وأصبح العلماء كما أشار نيلز بور، ليسوا فقط مراقبين أو مشاهدين، بل هم أيضا الممثلون والمخرجون والمؤلفون. فكأن العمل العلمي كالعمل المسرحي محض صنيعة للإنسان، وإن تميزت الصنعة العلمية بخصائصها ومميزاتها وفعالياتها وإيجابياتها الخاصة جدا جدا، التي تجعل العلم بلا جدال أنبل صنائع الإنسان طرا، وتاريخه أروع فصول حضارة الإنسان.
وفي النهاية ترتد أنسنة الظاهرة العلمية في هيمنة الوعي التاريخي على أجواء فلسفة العلم في الثلث الأخير من القرن العشرين. والمحصلة أن انتقلت من محض تحليلات منطقية إلى نظرة منهجية شاملة إلى فلسفة إبستمولوجية هي فلسفة الفعالية المعرفية والهم العقلي للإنسان، فأصبحت فلسفة العلم في النهاية فلسفة إنسانية حية خفاقة، لا تستغني طبعا عن رصانة المنطق، وتظل دائما تنطلق من المحور المركزي الإبستمولوجي، لكن تستوعبه لتتجاوزه، فلم تعد قاصرة حتى على المشكلة الكوزمولوجية - التي رامها بوبر في تفجيره لطاقات الميثودولوجيا، بل أصبحت مشكلة فلسفة العلم أيضا أنطولوجية وأكسيولوجية وسيكولوجية وسوسيولوجية واقتصادية وسياسية وتقانية وتخطيطية وإدارية وبيئية ... بعبارة موجزة، أصبحت فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين تعني تكامل النظرة إلى العلم من الداخل مع النظرة إليه من الخارج. وبرز علم الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحاسب الآلي لتؤكد أهمية النظرة المنطقية من الداخل، بينما تبرز العوامل الإنسانية الحضارية أهمية النظرة من الخارج. لذا يمكن القول: «إن النظرة المنطقية تفلسف علم الكومبيوتر أما النظرة التاريخية فتفلسف علم الإنسان».
74
ومن جراء تفاعل كل هذه العوامل تخلق الآن علم العلم
Scientology
75
ليضم كل فروع الدراسات التي تؤدي إلى الإحاطة بظاهرة العلم، أولها بالطبع تاريخ العلم لا سيما من حيث هو رافد قوي لفلسفته التي أصبحت الآن مستعينة بسوسيولوجية العلم وسيكولوجيا البحث والإبداع العلمي، قيم البحث وقيم المجتمع العلمي الكائنة وما ينبغي أن تكون، علاقة العلم بالأطر الأيديولوجية وبالأنظمة السياسية، اقتصاديات العلم والدراسة المقارنة للمؤسسات العلمية والأسس التخطيطية لنشأتها، وتحديد أهدافها والأساليب المثلى لإدارتها، والتوظيف الأمثل لنظم المعلومات وبرامج الحاسوب وشبكة الاتصالات العالمية «الإنترنت» والإعلام العلمي على إطلاقه، أي مقروءا أو مسموعا أو مرئيا، والأشكال الأخرى لعلاقة العلم بالمجتمع، وقضية الثقافة العلمية، والاهتمام الخاص بمناهج وأساليب تدريس العلوم وإعداد العالم، وسائر أبعاد تنمية المناخ المهيئ للعطاء العلمي.
ومهما ابتعدت أو استقلت بعض فروع هذه الدراسات من الفلسفة، فإن فلسفة العلم تظل حاجة ملحة، كبوتقة ضامة تتكثف فيها كل الجهود الرامية لتفسير وتفهم ظاهرة العلم من الداخل ومن الخارج.
والخلاصة التي ننتهي إليها أن الوعي التاريخي لم يكن مجرد عامل مستجد أو حدث طارئ في مسار فلسفة العلم، بل كان ضرورة لا بد وأن تستجيب لها لتواصل النماء والتقدم، فقد جعل الفلسفة تنظر إلى العلم في ضوء تطوره التاريخي، وبالتالي عبر تفاعله مع البنيات الحضارية والاجتماعية والثقافية بأبعادها الشتى، ومن هنا دفع الوعي التاريخي بفلسفة العلم إلى فتح قوقعة اللؤلؤة الإبستمولوجية، وإلى أن تكف عن حصر نفسها بين أصدافها الصلدة التي تصون كيانها الجوهر.