W. K. Clifford (1845-1879م)، وجورج سارتون
G. Sarton (1884-1956م) وهذا الأخير رأيناه في الفصل الأول رائدا عظيما يرسم خطوط نزعة إنسانية جديدة تشتجر مع البعد العلمي على أساس من تاريخ العلم الذي يصور العلم كفاعلية إنسانية أصيلة ونبيلة.
وفي النهاية تتجلى في الضوء الكاشف للوعي التاريخي أطروحة بالغة الأهمية تؤكد ببساطة أن العلم «ظاهرة إنسانية»، إنها حقيقة أشد وضوحا من شمس النهار، وتحت غيوم المطلق النيوتني، الزمان والمكان المطلقين، غابت هذه الحقيقة عن أنظار العلم الكلاسيكي وفلاسفته، الذين رأوا العلم نسقا مغلقا معقلنا مجردا يقينيا حتميا، هو محض صورة إبستمولوجية لواقع أنطولوجي يلاحظه الباحث بحياد مطلق وموضوعية موهومة؛ ليعمم الملاحظات التي استقرأها في قوانين ضرورية الصدق، تلغي دور الفاعلية الإنسانية والإبداع الإنساني في خلق قصة العلم المثيرة والرائعة. ثم تقوضت هذه الصورة بفعل انهيار المطلق النيوتوني الحتمي الآلي الميكانيكي، باقتحام عالم الذرة وما دون الذرة، وبزوغ ثورتي الكوانتم والنسبية مع مطالع القرن العشرين. وقد ارتدت في نظرية المنهج الفرضي الذي يبدأ بفرض يبدعه العالم ثم يهبط إلى وقائع التجريب، وفي نهاية القرن يتكامل الفرض والتجربة، وتجلت الحقيقة الساطعة وهي أن العلم صنيعة إنسانية وإبداع إنساني، ونشاط إنساني وفعالية إنسانية ومغامرة إنسانية. وكما يقول مارجوليس في عمله الجاد المحيط المذكور آنفا: «علم بغير وحدة: إصلاح ذات البين للعلوم الإنسانية والطبيعة» حيث يقول: «... إن مشاريع العلم هي بصورة حاسمة إنجازات إنسانية، الصفة الجذرية للعلم بعد كل شيء أنه نشاط إنساني. كل أنظمته الجديرة بالإعجاب نصونها نحن البشر، تحت الشروط والظروف التي تجعلها أكثر في الإعجاز والروعة؛ لذلك فكل العلوم هي علوم إنسانية من زاوية إنجازها الفعلي فلا يمكن تعيين خصائصها بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية والتاريخ الإنساني واللغة الإنسانية، والخبرة الإنسانية والاحتياجات والاهتمامات الإنسانية.»
71
لذلك فحتى العلوم الفيزيائية ذاتها لا تعدو أن تكون مشاريع ومغامرات إنسانية، وإذا كانت تفترض وجود عالم فيزيقي مستقل فإنها أولا وأخيرا تقبع داخل تساؤلات باحثين من البشر المثقلين بالأبعاد الثقافية.
72
ويقول مارجوليس إنه في هذا يأخذ تماما برأي توماس كون بأننا يمكن أن نتساءل عن عالم مستقل، ولكننا لا يمكن أن نقيم طبيعته بوصفه مستقلا عن تساؤلاتنا.
وبالطبع ليست المسألة تصورا لتوماس كون أو مارجوليس أو سواهما، بل هو تصور لطبيعة العلم أدت كل العوامل إلى رجحان كفته، لا سيما بعد أن تغلغل فيها الوعي التاريخي، هذا التصور هو أنسنة الظاهرة العلمية، حتى انتقلت من وضع المطلق الثابت اليقيني الحتمي الضروري الأليق بأحكام الألوهية، إلى وضع النسبوية التي هي سمة كل موقف إنساني، والتي قد تبلغ حد اللامقايسة. إن النسبوية مهما تطرفت لا تقلل بحال من شأن المعرفة العلمية، ولا تمس من القيمة الموضوعية للتقدم؛ لأنها تصادر على أن التقدم العلمي مثل التطور البيولوجي، هو تسلسل لا يقبل الارتداد أو الانعكاس، أي إنه متصاعد دائما. ويتأكد وجود الإنسان ودوره المحوري في كل مرحلة وكل خطوة من خطوات العلم. وكما يقول عالم الفيزياء النووية الرائد الذي قاد ثورة الكوانتم الثانية بمبدئه الشهير في اللاتعين، ألا وهو فيرنر هيزنبرج: «إن بناء أو نظريات العلم في أية مرحلة ليست سوى حلقة من السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة، ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة إذن تفترض وجود الإنسان. وعلينا كما يقول نيلز بور
N. Bohr
أن نأخذ في الحسبان أننا لسنا المشاهدين، بل الممثلين في مسرح الحياة.»