تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصبح البحث في سوسيولوجيا المؤسسة العلمية مطلبا ملحا بعد أن تعاظم شأنها في الواقع الراهن، حتى قيل إن عدد العلماء أو المشتغلين بالبحث العلمي الآن ثلاثة أرباع الذين اشتغلوا بالبحث العلمي طوال تاريخ البشرية! أما نسبتهم إلى إجمالي عدد السكان فلا تقارن بأي عصر مضى، فضلا عن تعقد لغتهم الرمزية وارتفاعها تماما عن مستوى الفهم العام بدون إعداد دراسي طويل يستغرق خير سني العمر، ومعداتهم وأجهزتهم بالغة التعقيد باهظة التكاليف، وصميم العمل الذي يؤدى في البحث العلمي، وهو عمل ذو كم وكيف، وبالتالي نتائج وآثار ومردودات لا تضاهى. فبات العالم المعاصر وبين ظهرانيه أمة من العلماء تفوق عددا وعدة وعتادا وإعدادا أمما أخرى كثيرة، لا بد أن لها هي الأخرى قوانينها ومنظوماتها الاجتماعية.

لقد تأخر ظهور البعد السوسيولوجي في فلسفة العلم كثيرا، ربما بسبب تأخر نمو علم الاجتماع ذاته، بينما كان هذا البعد يستلزمه منذ البداية الطابع الجمعي التعاوني الذي صاحب العلم الحديث منذ نشأته، بل منذ أن بشر فرنسيس بيكون بهذا في «أطلانطس الجديدة» عام 1627م المدينة العلمية الفاضلة، حتى تم اعتماده رسميا بنشأة الجمعيات العلمية إبان القرن السابع عشر وأولها «أكاديمية التجربة العلمية» التي أنشئت في فلورنسا بإيطاليا عام 1657م، وأهمها «الجمعية الملكية» في لندن عام 1662م، ثم الأكاديمية الفرنسية في باريس عام 1666م. وتلتهما أكاديميات أخرى كأكاديمية سان بطرسبرج الروسية عام 1629م وأكاديمية برلين عام 1744 ...

70

وكان أحد انعكاسات هذا في القرن الثامن عشر أن تكاتف علماء فرنسا أجمعين بريادة العلماء ذوي الاستبصارات الفلسفية لإنجاز الموسوعة التي تهدف إلى تجميع المعارف المتفرقة، فلم يعد العلم إنجازا شخصيا أو معرفة فردية. وبمرور الأيام وتواتر التقدم العلمي يزداد العلم إمعانا في طابعه الجمعي التعاوني، بحكم العوامل الراهنة من قبيل التطور المعرفي الذي تسارع بمعدلات رهيبة بفعل الكومبيوتر وسائر التجهيزات المعملية المتقدمة وارتفاع تكاليف البحث العلمي وتعقد آلياته وضخامة برامجه، حتى برز التخطيط كقيمة كبرى في البحث العلمي، ودخلنا عهد التنظيم والإدارة والبحوث المستمرة التي تمولها المؤسسات الكبرى أو الدول. وأمام هذا الوضع لم يعد ممكنا بحال أن تغفل فلسفة العلم أبعاده السوسيولوجية، فقد انزوت تماما صورة العالم يعكف وحيدا مترهبنا متصومعا في معمله، الذي قد يكون مشيدا بقبو منزله أو في أطراف حديقته، وهي صورة العالم منذ هيروفيلوس السكندري قبل الميلاد حتى جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي وابن الهيثم وابن النفيس وصولا إلى جاليليو ووليم جلبرت في القرن السادس عشر، وروبرت هوك في القرن السابع عشر، وبريستلي في القرن الثامن عشر وكلود برنار ولوي باستير في القرن التاسع عشر، وحتى بواكير القرن العشرين كانت ماري كوري لا تزال تحتفظ ببعض ملامح هذه الصورة التي اندثرت مع النماء والتطور المعاصر. والآن كما علمنا توماس كون الرائد ينبغي النظر إلى البحث العلمي من حيث هو برنامج ضخم يعكف على تنفيذه فريق من الباحثين في إطار مؤسسة كبرى.

فهل يمكن بعد كل هذا أن تظفر الفلسفة بتفهم حقيقي للظاهرة العلمية بصرف النظر عن أبعادها الاجتماعية؟ لقد فرضت الأبعاد السوسيولوجية نفسها على فلسفة العلم من حيث فرضت نفسها أيضا الأبعاد السيكولوجية والسياسية والاقتصادية والتخطيطية والإدارية والبيئية والقيمية. على الإجمال أبعاد الظاهرة الإنسانية، جميعها انفتحت لها البوابة حين خرجت فلسفة العلم مدججة بالوعي التاريخي.

وفي هذا نلاحظ إلى أي حد نجد الوعي التاريخي كفيلا بأنسنة النظرة العلمية والروح العلمية، كما لاح للمبشرين الرواد الذين آمنوا بقيمة الدراسة المنهجية الأكاديمية لتاريخ العلم، وعلى رأسهم وليم كليفورد

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٣٣