R. Merton .
أما سوسيولوجيا العلم المعرفية، فهي تبحث في أثر العوامل الاجتماعية في تشكيل تصورات العلماء ومفاهيمهم، جذورها وأصولها الاجتماعية، كيف تكونت ولماذا دعمها المجتمع، خصوصا المعتقدات التي لا تكفي العوامل الإبستمولوجية والقرارات الميثودولوجية - أي العقلانيات - لتبريرها. وتتفاعل سوسيولوجيا العلم مع فلسفة العلم وتتكامل معها إلى أقصى الحدود. في السوسيولوجيا اللامعرفية أكد روبرت مرتون على دور العالم الفرد، لكن في سياق عالمية العلم. العالمية تعني الحكم على الإنجازات العلمية بمعايير موحدة في أي مجتمع علمي في العالم أجمع. حاول مرتون تحديد هذه المعايير
66
في إشاعة النتائج بين الباحثين، والنزاهة والأصالة، بمعنى أن يكون الإنجاز العلمي إبداعا أصيلا للباحث وليس مسروقا أو منحولا أو ملفقا، وأيضا معيار الشك المنهجي الذي يذكرنا بالاختبارية ومحاولات التكذيب، على الإجمال تماثل هذه المعايير ما بحثه توماس كون تحت عنوان القيم التي هي محكات لتقويم الإنجازات العلمية والمفاضلة بينها، وتسهل ملاحظة كيف أن معايير مرتون وقيم كون على السواء تتشارك معا في شغل منطقة وسطى، لن تملأها القيم الاجتماعية بمفردها، ولا المعايير المنهجية الفلسفية بمفردها.
أما الفرع الآخر من سوسيولوجيا العلم، وهو السوسيولوجيا المعرفية، فأكثر اتصالا بفلسفة العلم ويشتبك معها مباشرة بحيث يمثل رافدا لها. مثلا صدرت عام 1961م في مجلة
Science
دراسة إمبيريقية رصينة لعالم الاجتماع برنارد باربر
B. Barber
ذي النزعة الوضعية التجريبية الحادة، موضوعها «مقاومة العلماء للكشف العلمي»، حاولت استكشاف العوامل التي تجعل عالما يميل لرفض مكتشفات وأفكار جديدة. وكشفت الدراسة عن عوامل تكاد تكون الصورة المعاصرة لأوثان فرنسيس بيكون. وقد وضع برنار النظرة المنهجية والنظرة اللاهوتية بوصفهما اثنين من أهم العوامل التي تدفع العالم إلى الوقوف في وجه الأفكار الجديدة. وليست تتكامل هذه الدراسة مع أوثان بيكون في القرن السابع عشر فحسب، بل من السهولة بمكان تصورها وهي تتكامل أكثر وأكثر مع المقولات الإبستمولوجية الحديثة، من قبيل التحصين ضد التكذيب وما تلقاه باكورة محاولات الخروج عن النموذج الإرشادي من مقاومة. وكد العلماء لطرح فروض مساعدة تشكل حزاما واقيا للنواة الصلبة في برنامج بحثهم وتدعيمها كي يواجه الشذوذات المستجدة ...
هذا المثال يوضح إلى أي حد تغذي سوسيولوجيا العلم في جانبها المعرفي فلسفة العلم، وتتكامل معها إلى حد أن يتداخلا في بعض المواقع، وفلسفة العلم؛ إذ تستفيد من هذا المبحث فإنها مدينة بقدر ما هي دائنة له، فكما قيل بحق: «ظهور البرنامج القوي في الدراسات الاجتماعية للعلوم لا يمكن أن يحسب له حساب دون الرجوع إلى التطورات التي صاحبت ذلك في مجال فلسفة العلوم - التي لم تعد تضع أية حواجز أمام التفسيرات المبنية على الدراسات الاجتماعية.»
67
وكان الوعي التاريخي لا سواه هو الذي أزال تلك الحواجز، فضلا عن أن أي تطبيق للتحليل الاجتماعي على تاريخ المعرفة العلمية يستلزم قبلا تطور التاريخ العقلاني للعلم الذي تنجزه فلسفته
68
وبخلاف الوعي بتاريخ وفلسفة العلم، يضيف توماس كون عوامل أخرى أدت إلى تنامي الاهتمام بسوسيولوجيا العلم مؤخرا، عوامل من قبيل دراسات التاريخ العام وعلم الاجتماع الألماني والفلسفة الماركسية ...
69
والحق أن توماس كون شخصيا من أقوى هذه العوامل، وإذا استعرنا المصطلحات السابقة، يمكن القول إن سوسيولوجيا العلم تبحث في العوامل الاجتماعية للعلم من الخارج، من حيث علاقاته بالبنية الاجتماعية ككل وبوصفه إحدى - أو حتى أهم مكوناتها. أما توماس كون، فقد وجه الانتباه إلى أهمية سوسيولوجيا العلم من الداخل، شبكة العلاقات والعوامل التي تحكم مجتمع العلماء من حيث هو مؤسسة، والتي حاول كون أن يؤطرها بالقالب المبحثي وقالب المثلية.