تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

external

إلى العلم كنشاط إنساني يتأثر بأبعاد الحضارة الإنسانية ويؤثر فيها، ها هنا العوامل الاجتماعية والسيكولوجية والاقتصادية والسياسية والتقانية والبيئية ... إلخ لا تتدخل مباشرة في المحتوى المعرفي أو في صميم مساره، لكنها تؤثر تأثيرا فعالا في تسارع أو تباطؤ التقدم العلمي، وقد تكون عامل بعث أو عامل وأد، كما نتبين - خصوصا - من تحليل نشأة وانهيار الحضارات الكبرى في التاريخ.

إن العلم لا يتقدم، ولا ينفسح المجال أصلا للجهود الإبستمولوجية، ما لم ينشأ في بيئة ثقافية متساندة تملك بواعث هذا التقدم؛ «لأن العلم لا يعمل وحده في فراغ، بل هو يفلح أرضا مهدتها الثقافة السائدة من قبل أو تركتها صعيدا زلقا»،

63

إنه كما يقول جون ديوي يعمل في نطاق مؤسسة ثقافية تستوعب كافة الشئون الثقافية التي كانت قد استقرت حتى يمكن أن يتقدم العلم ذاته. والدور الأساسي للعبقرية الفردية في الكشف العلمي لا ينفي بحال أن العلم ليس البتة ظاهرة منعزلة تنمو بقدرتها الذاتية أو قوة دفعها الخاصة أو لا تخضع إلا لمنطقها الداخلي البحت، فتفاعل العلم مع المجتمع حقيقة لا سبيل لإنكارها،

64

ولا جدوى من هذا الإنكار.

إن العوامل الاجتماعية علة فاعلة وناجزة حتى في أبعد العلوم عن الواقع الاجتماعي وعن علم الاجتماع، ولعلها الرياضيات والفلك. الرياضيات هي ذاتها النظرة الصورية المجردة عن أي تشكل متعين، وناهيك عن التشكل الاجتماعي. وعلم الفلك يتعامل مع كيانات هي - بتعبير هنري بوانكاريه الطريف - بعيدة جدا عن الصراعات الانتخابية، ولا يحتمل أبدا أن تدلي بصوتها أو تشارك فيها بحال ولن ينفق الساسة الناجحون أموالا طائلة على الأبحاث الفلكية. فهل الرياضيات والفلك ينفصلان حقا عن الواقع الاجتماعي؟

أما الرياضيات - فمثلا - إنجاز العرب البارز فيها وعلى مفترق الطرق بين الحساب والهندسة وبين الحساب والجبر لا يمكن فصله عن احتياج الحضارة الإسلامية الملح للتقاويم وتحديد مواقيت الشعائر واتجاه القبلة، وطرق الحجيج والتجار، والتوفيق بين التقويم الهجري القمري الذي تعمل به الدولة الإسلامية والتقويم الميلادي الشمسي الذي يحدد مواسم الحصاد، وبالتالي أوقات جباية الزكاة والضرائب والجزية في الأمصار الزراعية التي دانت للدولة الإسلامية، وحساب نفقات كل هذا، ونفقات الجيوش الجرارة وتوزيع أنفالها ونفقات المشاريع العمرانية الضخمة ومشاكل المساحة تقسيم الأراضي ثم نظام المواريث المعقد والدقيق في الشريعة الإسلامية، وحساب أثمان الجواري والعبيد الذين هم القوة الإنتاجية التي يستثمر فيها المال، ولكن يتناقص الثمن تدريجيا كلما تقدم بهم العمر. وبالمثل، الإنجازات الفلكية التي شكلت العمود الفقري للعلم الحديث منذ الثورة الكوبرنيفية وقوانين كبلر وكشوف جاليليو حتى إنجاز نيوتن العظيم ... فهذا لا يمكن فصله عن اكتشاف العالم الجديد واتساع حركة الملاحة العالمية وانشغال العصر باكتشاف خطوط وطرق ملاحية جديدة.

لذا أكد كارل مانهايم

K. Manheim (1893-1947م) أن كل العلوم حتى المتخصصة جدا يمكن النظر إليها بوصفها قابلة للتشكل اجتماعيا، فضلا عن عبثية محاولة الوصول إلى أية حقيقة بصورة مستقلة عن المعاني الاجتماعية والتاريخية.

65

يعد كارل مانهايم مؤسس علم اجتماع المعرفة

Sociology of Knowledge ، والذي انبثق عنه علم اجتماع العلم أو سوسولوجية العلم، وقد لامسنا حدودها مع توماس كون.

تنقسم سوسولوجية العلم إلى سوسيولوجيا معرفية

Cognitive

وسوسيولوجيا لا معرفية

non-Cognitive

للعلم. هذه الأخيرة اللامعرفية تبحث أثر العوامل الاجتماعية في التشكلات الخارجية للظاهرة العلمية، أسباب ومبررات نشأة معامل ناجحة في مكان ما، ارتفاع نسبة العلماء في تخصص معين في زمان ما، نمو واضمحلال التخصصات العلمية، احتياج ومتطلبات العلم من حيث هو مؤسسة، نزاهة أساليب منح ومنع الجوائز والبراءات، المسارات المتغيرة لمستقبل العلماء ... وأمثال هذه الظواهر العلمية التي شكلت موضوعات مدرسة الدراسات الاجتماعية للعلوم في أمريكا، والتي ارتبطت على وجه الخصوص بأعمال روبرت مرتون

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٣١