تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60

والإبستمولوجيا التي استأثرت بالميدان طوال عهود غياب البعد التاريخي لم تعد كافية إذا رمنا تفسيرا شاملا للظاهرة العلمية وتقدمها المتوالي. المطلوب لتحقيق هذا فلسفة تاريخية تنظر إلى العلم كتنام إبستمولوجي، وبوصفه نشاطا إنسانيا اجتماعيا متغيرا ومتطورا. ويعني هذا ضرورة استيعاب الإبستمولوجيا وتجاوزها إلى أنطولوجيا للعلم - إن جاز التعبير - تستلزم فلسفة تاريخية وتاريخا فلسفيا للعلم.

61

ومن الناحية الأخرى أو الوجه الآخر للعملة، تغيرت النظرة إلى تاريخ العلم، فلم يعد مجرد سلسلة متوالية من الإجراءات الناجحة والكشوف المتعاقبة أو سير لشخصيات عظيمة وسجل زمني لتتابع مكتشفات العلماء، أو مجرد ترتيب زمني لوقائع متعلقة بكل هذا، بل هو رؤى تتخلق وتنمو وتتطور وتتبدل وتتعدل، وكأننا بإزاء أحداث الدراما الكبرى للفكر الإنساني، وقد تبوأ العلم دور البطولة المعرفية بلا منازع. وكان إنجاز توماس كون العظيم في تمثيل تاريخ العلم كتاريخ رؤى للعالم تفرضها النماذج القياسية الإرشادية المتوالية. لذا فكل تاريخ للعلم لا يتسلح بنظرة فلسفية هو تاريخ مصاب باعتوار قاتل، بل هو - كما أوضحت تحليلات إمري لاكاتوش - تاريخ أو تاريخ مستحيل أصلا.

يمكن اعتبار هذه الأطروحة وقد لاقت تطبيقها في دراسة جوزيف أجاسي

J. Agassi

نحو أصول لتأريخ العلم

Towards a Historiography of Science

الصادرة عام 1963م مع دراسة جرينباوم

A. Grünbaum

عن نظرية النسبية الخاصة كحالة أو مثال يوضح مدى أهمية فلسفة العلم بالنسبة لتاريخه. فقد انكبا على تبيان أن كل تأريخ للعلم مثقل بافتراضات فلسفية، في تطبيق أكثر عينية للخطوط العامة التي حملتها معالجة لاكاتوش للميثودولوجيات المختلفة. مثلا إذا تبنى المؤرخ التجريبية المتطرفة الاستقرائية ورأى الوقائع الملاحظة تفصل القول في النظرية، انصب تأريخه على التجارب الفاصلة في تاريخ العلم، بينما يهتم آخر بالإشكاليات النظرية وأوجه التناقض ومناقشات المجتمع العلمي، وكأننا بإزاء فيلسوف التاريخ الشهير بندتو كروتشة

B. Croce (1866-1952م) وهو يؤكد أن كل مؤرخ فيلسوف شاء أو أبى. وقد كان أجاسي أكثر توفيقا في إثبات أن أي تصنيف لوقائع التاريخ العلمي يفترض قبلا معايير فلسفية عن خصائص العلم التي تجعل الواقعة علمية، ومعيارا واضحا للتقدم العلمي يصنف على أساسه واقعة معينة بوضعها في سياق التطور العلمي. أما إذا انتقلنا من تأريخ التاريخ إلى تفسير تاريخه فبديهي أن دور المعايير الفلسفية سيصبح أشد وضوحا وأكثر فعالية، إن لم تستأثر بالميدان.

أجل! تاريخ العلم وفلسفته مبحثان مختلفان ومتمايزان، لكنهما بنفس القدر يتكاملان. ولئن كان «يظن فيما مضى أن تاريخ العلم يبحث في وقائع وأحداث التطور العلمي، أو كيف كان العلم، أما الفلسفة فهي تبحث في معيار تقويمي لهذا التطور وكيف ينبغي أن يكون العلم، فقد اتضح الآن أنه لا تعامل مع وقائع بدون معيار، ولا تقويم بدون أحداث.

62

إنه شعار لاكاتوش الشهير «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء»، والذي ألقى ضوءا كاشفا على التمييز بين التاريخ الداخلي للعلم وتاريخه الخارجي.

هكذا أعادت الأوساط المعنية بالظاهرة العلمية ترتيب أوراقها، بحثا عن نسيج لحمته فلسفة العلم وسداه تاريخه، بعد أن تجلت العلاقة التكاملية التبادلية الوثيقة بينهما، هذا بغير أن تتماوه الحدود بين النظرة إلى العلم من الداخل والنظرة إليه من الخارج. وقد اهتم فيلسوف العلم الفرنسي جورج كانجيم

G. Canguilhem

بإبراز التقابل بينهما. النظرة الداخلية

internal

الإبستمولوجية معنية بالعلم كفاعلية تخصصية مستقلة، كعقلانية إبستمولوجية - أو ما أسماه لاكاتوش الميثودولوجيات، تنصب على الأدوات الداخلية للنسق العلمي كدور الرياضيات والملاحظة والتجربة والفرض، والتنبؤ والتفسير ... إلخ. وهي تحمل الشروط الضرورية لكنها ليست كل الشروط. هناك شروط أخرى، غير كافية بمفردها لكنها فعالة، نجدها في النظرة إلى العلم من الخارج، النظرة الخارجية

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٣٠