تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ترددت - بفعل اندفاعات فييرآبند وسواه - أراجيف بشأن انتهاء سؤال المنهج أو بلوغه طريقا مسدودا، والواقع، كما يقول جوزيف ماجوليس بعبارته الرصينة والعميقة حقا، إن سؤال المنهج قد سقط من الاعتبار فقط بوصفه شفرة مدونة تعبيرا عن الولاء لفئة فرعية من المعتقدات انبثقت عن العقيدة العلمية المركزية - أي التجريبية - معتقدات تشكلت في مرحلة أسبق من العلم الحديث، واستنفدت الآن مبرراتها. إذا صح هذا ينبغي أن نعمد - والحديث ما زال لمارجوليس - إلى استغلال مميزات الموجة المساعد على الكشف الكامنة في استحضار المناقشات الأسبق، بغير أن نقع في شراكها الاصطلاحية،

59

وهذا ما فعلناه في تحليلاتنا السابقة التي خلصت إلى أن سؤال المنهج لم ينته، بل واصل سيره حتى أصبح نظرة إبستمولوجية، شاملة وليس مجرد خطوات سائدة - كشفرة رمزية. ومهما يكن الأمر فسوف نرى كيف أن انبثاقة الوعي التاريخي قد بعثت حياة دافقة في شرايين فلسفة العلم، أكسبتها حيوية ونضارة وشبابا متجددا، يطرح أمامها مستقبلا رحيبا حاملا دوائر يتوالى اتساعها لتساؤلات مستجدة لا تنتهي ... ومتى كانت النهاية تلحق بعنقاء الفلسفة؟!

بداية، إذا كان الوعي التاريخي يعني الوعي بالظاهرة العلمية، ليس كمحض نسق منجز ومنته، بمنهج متعين وخصائص منطقية محددة، بل أيضا الوعي بالعلم كفعالية إنسانية متنامية ومتغيرة عبر تيار الزمان، فلا شك أن هذا التطور في فلسفة العلم يرتد - في جانب منه - إلى ما تزامن معه من تسارع التقدم العلمي وتصاعد معدلاته تصاعدا غير مسبوق، بلغ الذروة بتسخير الكومبيوتر بإمكانياته الجبارة كأداة عملاقة في يد العبقرية العلمية المبدعة، التي بدا واضحا الآن أنه لا حد ولا نهاية لإمكانياتها المتوالية. فهذا هو الذي علم فلاسفة العلم اللاحقين أن العلم لم يعد البتة بناء مشيدا من المعرفة المنجزة المثبتة، تبحث الفلسفة في تبريرها وتبرير صحتها ومصداقيتها، بل العلم فعالية منطلقة وكشوف متوالية تصوب ذاتها وتتجاوزها بثورات/دورات مظفرة، لا تهدأ ولا تسكن أبدا.

وكما رأينا، كانت الوضعية المنطقية بنزعتها الضد تاريخية أقوى المدافعين وآخرهم عن منطق التبرير الذي يقتصر على بحث العلاقة بين النظرية والملاحظات التجريبية ورفضت بشدة منطق الكشف على أساس أنه متعلق بعوامل لا منطقية ولا تحليلية. وكان انتقال فلسفة العلم إلى موقف الوعي التاريخي مرتهنا بانتقالها من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم والثورة، فيما يعد تقويضا لأسس النظرة الوضعية السكونية التبريرية الضد تاريخية، تقويضا لعوامل نفي البعد التاريخي، ليتسع له المجال فيما بعد.

ولما كان كارل بوبر صاحب الفضل السابغ في الانتقال من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم، كان بدوره الرائد الجسور الذي أنجزت فلسفة العلم تحت رايته هذا العبور العظيم إلى الضفة الأخرى من القناة؛ ليواصل الزحف من بعد بوبر قواد آخرون لألوية في جيوش فلسفة العلم، تصل إلى العمق الاستراتيجي للوعي بتاريخ العلم، وتحصن مواقعها، فلا تقبل معاهدة ولا تطبيعا مع جيوش الضد تاريخية المدحورة .

لم تعد أوساط فلسفة العلم الآن ترحب بنظرية تفشل في الاشتباك مع الوعي بتاريخ العلم، وأصبحت كل فلسفة لا تاريخية للعلم هي فلسفة عاجزة عن أداء مهامها باقتدار، أو هي - بتعبير لاكاتوش - خواء. فمضامين النظريات العلمية ذاتها، فضلا عن مفاهيمها ومصطلحاتها - ومن قبل ومن بعد مناهجها - مرتبطة ومتكاملة مع تطورها التاريخي، ونحن في حاجة إلى فلسفة لتاريخ العلم، تنظر إليه بوصفه مستودعا زاخرا بالتصورات والرؤى التي تعين الفلسفة على تفهم حركية العلم، وتقوم بتوظيف تاريخ العلم كأداة تحليلية ونقدية للمفاهيم العلمية في نشأتها ونموها وتطورها عبر صيرورة التقدم العلمي. وصحيح أن العلم أولا وقبل كل شيء نشاط عقلاني نظري، لكن ليس هذا كل ما في الأمر، العلم نمط من الممارسة المعرفية للإنسان، ممارسة ككل ممارساته لا تتأتى في جزائر منعزلة، بل في سياق جمعي مؤسسي. فلم يعد مرغوبا النظر إلى العلم فقط بوصفه محض نشاط نظري عقلاني معرفي خالص، يحكمه أولا وأخيرا تعقب مزيد من الصدق. النظرية لا تنفصل عن إطارها، أو بتعبير توماس كون، نموذجها الإرشادي، وظروف وشروط نشأتها، بل وأهدافها وأغراض البحث الذي تمخض عنها حتى يمكن وصف العلم بأنه نشاط غائي يهدف إلى تحقيق غاية مسبقة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢٩