ولكل هذا رفض باشلار تماما إهمال المتغيرات التاريخية أو اعتبار العقل العلمي ثابتا يتدفق عبر الزمان، وأكد أن الذات في العلم ذات تاريخية؛ لأن المعرفة العلمية ليست إلا قوة متطورة عبر التاريخ. رفض باشلار كل صور الوضعية وأولاها وضعية مواطنه أوجست كونت مؤكدا أننا لا نحيا في مرحلتها أبدا، بل ربما في مرحلة رابعة لمراحل كونت الثلاث، فهي مرحلة قطع فيها العلم صلته بالحس المشترك ومعرفة الخبرة العادية التي كانت متفقة مع وضعية كونت، وفي كل هذا كان باشلار صاحب فضل كبير في إنهاء النظرة إلى تاريخ العلم أو ماضيه كسجلات لإزاحة الجهل، وعلمنا كيف أن تاريخ العلم مقدمة لفهم الظاهرة العلمية، مقدمة ضرورية لفلسفته.
ويبقى جان بياجيه
J. Piaget (1896-1980م) من أهم الذين واصلوا المسير في مثل هذا الطريق، لم تتسع له المعالجة السابقة ولا نستطيع أن ننهيها مغفلين ذكره. وبياجيه بعقليته المتعددة الأبعاد، ينتمي بجدارة إلى فئة العالم/الفيلسوف، إنه رائد علم النفس الارتقائي وعلم نفس الطفل. بحث تطور إدراك الأطفال للمفاهيم والتصورات العلمية، أولا الرياضية، وثانيا الفيزيائية، وثالثا البيولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية. بحث تطور مفاهيم الرمز والعدد والهندسة وتمثيل الفراغ، الزمن والحركة والسرعة، العلية والصدفة والحكم والاستدلال، الصورة الذهنية والحكم الخلقي ... إلخ عبر مرحلتي الطفولة الباكرة والمتأخرة. ثم رأى أن نمو إدراك هذه المفاهيم بمثابة صورة مصغرة للتوجهات الأساسية في نماء المعرفة البشرية، فربط بينها وبين فلسفة العلم المسلحة بتاريخه، ونزع إلى أن تكون الإبستمولوجيا علما مستقلا، لكن مرتبطا ببقية العلوم، ودرس في كتابه «الإبستمولوجيا التكوينية 1950م» المعرفة العلمية في تاريخها ومسار تشكلها الاجتماعي، المستند بدوره إلى أصول سيكولوجية، ثم أسس المركز العالمي للإبستمولوجيا التكوينية في جامعة جنيف، حيث عمل معه متخصصون في علم النفس والبيولوجيا والرياضة والمنطق لبحث ارتقاء المفاهيم العلمية، وخرجت الأبحاث في «دراسات في الإبستمولوجيا التكوينية 1971م».
في كتابه «حكمة الفلسفة وأوهامها 1965م» يحاول تحديد العلاقة بين الفلسفة والعلم، ويقول إن أكبر المشاريع في تاريخ الفلسفة تكونت من التفكير في المشروع العلمي المطروح في عصرها، مما يعني أن فلسفة العلم هي أخصب فروع الفلسفة، وعليها النظر إلى العلم في نموه وارتقائه، فإذا كانت المعرفة العلمية تتشكل وتتكون، فكيف ننظر إلى المنجز الراهن كثابت منته ونغفل أصوله التاريخية؟! إن المنجز الراهن - كما يؤكد بياجيه - محض وضع تاريخي يختلف عن سابقه، وسوف يختلف عنه لاحقه؛ لذلك ينبغي العناية بارتقاء هذه العملية المتوالي، الذي يتضمن تحولا مستمرا وإعادة تنظيم مستمرة. لكل هذا تتدخل العوامل التاريخية والاجتماعية والسسيكولوجية ... كعوامل بالغة الأهمية، إذا رمنا تفهما حقيقيا لطبيعة المعرفة العلمية، ولم يفت بياجيه التأكيد على اختلاف هذه النظرة تماما عن النظرة التي تبحث عن تبرير المعرفة العلمية ومعايير صحتها، بيد أنه اختلاف في اتجاه التكامل والتطور. لقد دارت بينه وبين جورج مور مناقشات حادة يحاول فيها إثبات عقم التحليلات الخالصة وأهمية أنظمة العمليات. الذكاء نفسه مجرد نظام عمليات. والرياضيات بأسرها هكذا، ولا جدوى من النظرية التحليلية السكونية، والإبستمولوجيا دائما في حاجة إلى النظرة الحركية، التي تبلغ أقصى انطلاقتها عبر التطور التاريخي.
إذن فقد بلغ الوعي التاريخي مع فييرآبند أقصى انطلاقة، بعد أن عم وساد في أرجاء فلسفة العلم.
سادسا: هذا التطور في فلسفة العلم وآفاقه
هكذا قطعت فلسفة العلم في القرن العشرين طريقا شاقا وطويلا ذا مراحل متتالية، من وضع بلغ حالة ضد تاريخية إلى وضع يتسلح بالوعي التاريخي ويستقبل على الرحب والسعة المنظورات التاريخية للعلم، بكل ما سيحمله هذا من خصوبة ورحابة آفاق مستقبلية.