تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

55

وبالنسبة لفلسفة العلم أتى بولاني بفكرة بالغة الأهمية حين أكد على الطابع الشخصي للمعرفة العلمية. فصحيح أن العلم يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أن العلم ذاته نشاط ذو سمة شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة من أفعال أشخاص وإنجازاتهم وأحكامهم وكشوفهم، جميعها تتطلب تعهدا والتزاما شخصيا بوجهة ما للنظر، وقابلية العلم المستمرة للاختبار والتكذيب والتصويب تعني أن هذه الوجهة من النظر قد تكون خاطئة، وثمة فرض ما يجب استبعاده. وفي هذا - كما يؤكد بولاني - لا توجد قواعد محددة يمكن برمجتها في حاسب آلي، لكنها أيضا ليست مسألة هوى شخصي، أو مزاج خاص، فهي لا تتم إلا في إطار مجتمع من العلماء قد تم إعدادهم إعدادا خاصا ولهم مقصد كلي عام. كل هذا لا يقرأ مباشرة من المعطيات التجريبية، بل يتضمن وثبة عقلية خلاقة. هكذا نجد أن تفسير بولاني لظاهرة العلم يتقدم بتوازن حصيف بين جانبين هما: البصيرة الفردية لخيال العالم من ناحية، ومن الناحية الأخرى تقبل المجتمع العلمي لهذه الرؤية ودوره النقدي بإزائها. ومن الأهمية بمكان تتبع حركية العلم في إطار التوازن بين هذين الجانبين - كما يؤكد الفيزيائي بولكين هورن.

ونلاحظ أن ذاك الرباعي العظيم فضلا عن هؤلاء التالين لهم من فلاسفة الصف الثاني ينطلق من قلب القارة الأوروبية إلى الجزر البريطانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أي إنهم ممثلون لمجمل فلسفة العلم في العالم الغربي. وعرضنا السابق استضاف معهم من روسيا فيلسوف العلم شفيريف الذي يتميز عرضه بالعمق والإحاطة.

وفي هذا، يظل الخط الفرنسي جديرا بالعناية، لم نغفله فيما سبق. فقد رأينا جاستون باشلار من أئمة الثورة/الدورة ، يتقدم بمفهوم القطيعة المعرفية التي تناقض التراكم واتصالية التقدم العلمي وتبرز أكثر من سواها المنظورات التاريخية للعلم. وينبغي الآن إيضاح كيف أن باشلار قد رأى المعرفة العلمية تسير دائما عبر عقبات وقهرها، حين يتحقق الانتصار على العقبة تكون القطيعة المعرفية والانتقال الكلي إلى عقبة جديدة، ثم انتصار جديد وإنجاز جديد وقطيعة أخرى، ثم عقبة ... وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي التي لا تتوقف أبدا. وتكتسب العقبة دورا محوريا في خلق قصة التقدم العلمي بهذا التلاحم بينها وبين «القطيعة»، العقبة أو العائق أو أزمة النمو العلمي «تتضمن إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة»

56

تذكرنا بمفهوم اللامقايسة، حتى يعرض باشلار لتكوين العقل العلمي عبر سلسلة من العقبات، وجود العقبة أو العائق يؤذن دائما بتحول جديد في المعرفة يعني قطيعة بالنسبة للمعرفة السابقة.

هكذا تحدث التحولات الأساسية التي تطرأ على العلم عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، مما يجعل البنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تماما عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ العلم في جدليات ناشطة حقا،

57

إن الفكر العلمي فكر قلق، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته ويكسر أطره الخاصة، وقوام البنية العلمية ليس بالتراكم، ليس لكتلة المعارف تلك الأهمية الوظيفية المفترضة،

58

الأهمية الفعلية للقطيعة، للانتصار على العقبة الذي يتحقق - كما يؤكد باشلار - بالصراع مع القديم ورفضه، بتصحيح الأخطاء فيه ورفض مواطنها، بتعبير كارل بوبر بتكذيب النظرية التفسيرية المقبولة، بالصراع مع نموذج توماس كون الإرشادي حين يكشف عن شذوذات، بالانتقال مع لاكاتوش من برنامج بحث أصبح تدهوريا إلى آخر يبدو تقدميا. وتلتقي القطيعة المعرفية لباشلار مع التعددية المنهجية لفييرآبند أكثر وأكثر، فعن طريقها يؤكد باشلار أن العلم حين يغير مناهجه يصبح أكثر منهجية، فالروح العلمية تأمل دائما في استنفاد إمكانيات المنهج المعمول به لتعلن انتهاءه، فيظهر منهج جديد في سلسلة من القطائع المنهجية والاستحداثات المستمرة دوما.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢٧