تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

أما توماس كون فإن دراسته «منطق للكشف أم سيكولوجية البحث؟» مكرسة لتبيان أواصر القربى بينه وبين بوبر وتماثلهما في المنطلقات وتشاركهما المبدئي في رفض الموقف الوضعي، وأن اختلافات الطريق في بعض الشعاب لن تنفي هذا أبدا.

كان هذا الفاصل البيوجرافي عن سير الشخصيات ضروريا؛ ليلقي الضوء على خلفية من العلاقات المتشابكة تساهم في إبراز هذا الرباعي الإبستمولوجي العظيم: كارل بوبر وتوماس كون وإمري لاكاتوش وباول فييرآبند، كفريق عمل متكامل، على الرغم من خلافات جمة في تفاصيل فلسفاتهم - استبينت فيما سبق. إنهم الأربعة الكبار، ممثلو الصف الأول للإبستمولوجيا، للنظرة إلى العلم من الداخل كعقلانية تواصل تقدمها. وقد شكلوا بصفة أساسية معالم فلسفة العلم في المرحلة التالية لسيادة الوضعية المنطقية، لا سيما في الثلث الأخير من القرن العشرين، تحررت فيها فلسفة العلم من القصورات والحيودات الوضعية، وأصبحت أكثر تكاملا، فأصبح العلم ذاته ظاهرة إنسانية حين انفتحت البوابة أمام الوعي التاريخي ليحتل موقعه بعد طول غياب. والوعي التاريخي بدوره يعني الوعي بالظاهرة العلمية ليس كمحض نسق منجز ومنته بمنهج متعين وخصائص منطقية محددة، بل أيضا الوعي بالعلم كفاعلية متغيرة ومتنامية ومتقدمة عبر الزمان، مما يعني أن المتغيرات الزمانية السوسيوسيكولوجية - أي العوامل الخارجية للنسق العلمي - هي قوة فاعلة وناجزة لا بد أن تؤخذ في الاعتبار.

وانضم إلى هذا الرباعي العظيم آخرون، من رجالات الصف الثاني لفلسفة العلم في أواخر القرن العشرين وخواتيمه؛ ليأخذوا الوعي التاريخي مأخذا جادا، ويعالجوا الأبعاد الحضارية والسوسيولوجية والسيكولوجية للظاهرة العلمية وسواها من موضوعات ما كانت الوضعية تسمح بمعالجتها من قبل. ونذكر في هذا الصدد جون واتكينز

J. Watkins

وقد رأيناه نصيرا للبوبرية، وهانسون

N. R. Hanson

وخصوصا كتابه «أنماط من الكشف» وماري هيس

M. Hesse ، وسواهم من فلاسفة العلم المعاصرين ... لعل أبرزهم ستيفن تولمن وميشيل بولاني.

يجمع تولمن الخير من طرفيه، فهو أداتي بارز فيسهل عليه تأكيد أن صدق المعرفة العلمية في حد ذاته ليس موضع الاهتمام، ثم يلتقي مع بوبر بعد ذلك حين يؤكد أن الاهتمام فقط بنمو المعرفة وتطورها، ويلتقي معه أكثر وأكثر حين يرى المعرفة تنمو في ضوء النقد الموجه لها. ولكنه أكثر من بوبر وعيا بتاريخ العلم، فهو يصغر بوبر بعشرين عاما تمثل مزيدا من تقدم فلسفة العلم نحو الوعي بتاريخه. رأى تولمن - بحكم أداتيته - أن تاريخ تطور معالجات المشكلة المطروحة للبحث، أهم بالنسبة للعالم الباحث من الانشغال بقضايا المحتوى المعرفي وإشكالية الصدق.

وتولمن شديد العناية بنقد الوضعية المنطقية وتوضيح قصوراتها، استند في هذا على ضرورة النظرة التاريخية للعلم، وأن الوضعية المنطقية في تناولها لفلسفة العلم ابتعدت عن تغير التصورات الذي هو التقدم الحقيقي للعلم، وحذفوا من الممارسات الفلسفية كل ما يتعلق بهذا وبعوامله.

ويرفض تولمن تماما النظرة إلى العلم من الداخل، إذا كانت مقتصرة على علاقاته المنطقية وأسسه المنهجية، بحيث إن الجديد تنحصر جدته داخل الحدود والمصطلحات المطروحة. وفي مقابل هذا، ينبغي على العلماء أن يدركوا أفق تاريخ العلم، ولا يتجاهلون أن نظرياتهم أتت في سياق نظريات أخرى سابقة هي محاولات ناجحة، تمثل معالم بارزة في تاريخ العقل وتاريخ الحضارة وتاريخ الثقافة. إن العلم - كما ينتهي تولمن - هو أولا وأخيرا كيان تاريخي ونشاط اجتماعي.

54

ويعد ميشيل بولاني

M. Polanye

صاحب أقوى نزعة علمية ضد وضعية في بحثه عن الصفة الشخصية للمعرفة العلمية، كما يعبر عنوان كتابه في فلسفة العلم «المعرفة الشخصية 1958». ويستحق ميشيل بولاني اهتماما خاصا؛ لأن فلاسفة العلم لم يهتموا كثيرا بدعاويه الجادة، ربما لأنه كان منغمسا في عمله كعالم كيمياء فيزيائية ولم يثبت حضوره بما يكفي في أوساط فلاسفة العلم، هذا على الرغم من أنه سبق فييرآبند وسحب فلسفة العلم إلى موقف نقدي من الحضارة الغربية، مؤكدا أن تمجيد المجتمع العلماني العقلاني بمعية قيم عصر التنوير هي التي أدت بالحضارة الغربية إلى العدمية والنزعات الشمولية من قبيل الفاشية والنازية والشيوعية،

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢٦