ومعنى هذا أن كل نظرية يجب أن تحتفظ بمكانها في تاريخ العلم وفي الوعي العلمي، والحكم عليها فقط بالنسبة لظروفها وتحدياتها التاريخية. ويؤكد فييرآبند على قدرة النظريات القابعة في تاريخ العلم على إخصاب الواقع العلمي الراهن وطرح مداخل ومنظورات مختلفة لحل المشاكل المطروحة للبحث، مما يعني دور تاريخ العلم في توسيع وإخصاب الأفق الإبداعي للعلم.
ثم يواصل فييرآبند المسير بمقولة اللامقايسة ليصبح من أقوى وأجرأ نقاد الحضارة الغربية العلمية العلمانية، حين يجعل اللامقايسة ليست بين النظريات فحسب، بل بين الأنماط المعرفية ذاتها. فلا يعود ثمة مبرر لادعاء الأفضلية المطلقة للعلم الغربي بالذات على أشكال المعرفة الإنسانية الأخرى، إنه مجرد تقليد معرفي ضمن تقاليد معرفية عدة، ويجاهر فييرآبند صراحة برفضه لفلول موقف الحضارة الغربية الاستعماري حين تجعل من العلم كلمة حق يراد بها باطل، أي ذريعة لفرض نموذجها الحضاري وقهر ووأد الثقافات الأخرى، لا سيما ثقافات العالم الثالث، فتحرم البشرية من خصوبة وثراء وتعدد جوانب، إن نعمت بها تنعم بالعلم أكثر. فهل العلم الغربي المجيد مبرر أو مطية للخواء والإجداب؟!
إن هذا الاحترام لكل الأشكال الثقافية نتيجة منطقية للنسبوية المستقاة من النظرة التاريخية، التي تجعلنا ننظر إلى البنية المعرفية بالنسبة لتاريخها وظروفها، وليس في إطار معايير مطلقة. وبفضل هذه النسبوية سبق أن تغيرت نظرة علماء الأنثربولوجيا للبدائية فلم يعودوا يعتبرونها وجودا متخلفا انتهى أمره أو يجب أن ينتهي ولا شأن لها بالحضارة والعلم، بل أصبحوا ينظرون إليها كمراحل أولية قامت بدورها التمهيدي في إطار ظروفها وعصرها فاحتلت موقعها في بدايات قصة الحضارة. هذا عن البدائية، فما بالنا بالمراحل الأسبق من الحضارة، والبنيات الأسبق للعلم، بالطبع لا بد وأن يحفظ لها دورها. إن الوعي التاريخي كفيل بإضفاء الخصوبة والثراء الباذخ من كل الجوانب.
لقد بدأ فييرآبند بوبريا يستن خطى بوبر في فلسفة العلم، وهو مثله نمساوي قضى صدر الشباب في جامعة فيينا - الحاضنة الرءوم لفلسفة العلم - ثم هاجر إلى أمريكا، بينما سبقه بوبر في الهجرة إلى إنجلترا. في أعمال فييرآبند المبكرة الرصينة، وهي «بحوث فلسفية 1981م» في مجلدين: الأول بعنوان «الواقعية والعقلانية والمنهج العلمي»، والثاني بعنوان «مشكلات التجريبية»، نجده يدور حول محاور أرساها بوبر، وينطلق من عناصر الفلسفة البوبرية بوصفها مبادئ الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، ولا ضير في أن يعمل على نقدها، فهذا في حد ذاته بوبرية أصيلة، ولكنه في أعماله المتأخرة، خصوصا «ثلاث محاورات في المعرفة 1992م» الذي اختلط بقدر غير يسير من خطوط العبث واللامعقولية نجده ينقلب ليتنصل من بوبر ويهاجمه بضراوة وتهور.
أما إمري لاكاتوش فهو صديق فييرآبند الفكري وزميله في الفوضوية والتعددية، وظل رفيقه الأثير حتى آخر العمر. كان لاكاتوش قد انتحى به جانبا في حفل عام 1972م، وقال له: «إنك - أي باول - لديك أفكار مدهشة، لماذا لا تسجلها وأكتب أنا ردا عليها، وننشر هذا وذاك في عمل واحد، وأعدك بأنه سيكون مبعث سرور لكلينا.» ففعل فييرآبند وأرسل المخطوطة إلى لاكاتوش في لندن، لكنها ضاعت لأسباب مجهولة، أعادها الإنتربول وراجعها فييرآبند، وفور انتهائه من صياغة جديدة لها عام 1974م اختطف حادث السيارة إمري لاكاتوش وأجهض التشارك المزمع بينهما
52
فصدرت هذه الأفكار في كتاب «ضد المنهج» بصورته المعروفة لفييرآبند الذي ظل دائما يرفع آيات الثناء الجميل لذكرى رفيقه. وقد رأينا هذا الرفيق - إمري لاكاتوش - تلميذا مخلصا لبوبر، قيل عنه: إنه في بعض الجوانب «أكثر بوبرية من بوبر نفسه»،