تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا الإطار، كان فييرآبند شديد التحمس للنسبوية في العلم، وكان عمل فييرآبند البارز «ضد المنهج» ليقوض تصور المنهج العلمي الواحد الثابت دائما، وإذا كانت المناهج ذاتها نسبية أو نسبوية - أي بالنسبة لطبيعة المشكلة المطروحة للبحث - فلا غرو أن يؤكد فييرآبند على أن كل شيء في العلم نسبوي،

49

مثلما أكد توماس كون على أن الأحكام العلمية نسبوية، أي بالنسبة للنموذج الإرشادي المعمول في إطاره. وفييرآبند يقر صراحة أنه أخذ بهذه النسبوية حين تعلم من توماس كون - ومن آخرين - أن يتناول الموضوع تناولا تاريخيا وليس تناولا منطقيا. هكذا نلاحظ ربط فييرآبند بين النسبوية وبين الوعي التاريخي، وهو في هذا وذاك يحاول التوصل إلى بعض البنيات الثابتة

50

التي تذكرنا بنماذج كون الإرشادية.

وكان تتابع النماذج الإرشادية يفضي إلى اللا مقايسة

Uncommensurability

أي عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ للحكم عليها بنفس المعايير. واللامقايسة ترتبط هي الأخرى بالوعي التاريخي، وقد اعتبرناها من أقوى تجسيداته، وهي فكرة رفضها كارل بوبر تماما ولم يرحب بها إمري لاكاتوش، فقد أخذا بالنظرة البوبرية لموضوعية المعرفة المشتركة بين الذوات أجمعين في كل زمان ومكان، وطالما انفصلت المعرفة عن مبدعها، أي عن العالم 2، وانتمت إلى العالم 3، فهي واحدة أمام الجميع، ولو قدر لأي عالم من أي عصر أن يطلع على أي تراث علمي أسبق لأدرك أنه أقل تقدما، وأقل إحرازا لأهداف العلم، وبالمثل لو تمكن أي عالم من تفهم الحصيلة في عصر لاحق لأدرك أنه أكثر تقدما. وعلى أساس هذا الزعم يرفض بوبر ومعه لاكاتوش نسبوية المعرفة العلمية واللامقايسة.

أما فييرآبند - النسبوي حتى النخاع - فقد جن بمقولة اللامقايسة وانطلق معها إلى أقصى الحدود، وعايشها وامتزج بها حتى نجد مواضع في كتاباته توحي بأنها من وضعه، وإن كان يشير في مواضع أخرى، وأحيانا في نفس المواضع «!» إلى فضل توماس كون وآخرين. وليس غريبا أن يناقض فييرآبند الواقع أو يناقض نفسه، فهو يفعل هذا كثيرا، ولكنه في كتاباته المبكرة، الأكثر رصانة وموضوعية يؤكد أن اللامقايسة ليست أطروحة فلسفية، بل هي تلخيص لإجراء علمي واسع الانتشار كثيرا ما يثبت نجاحه، والهجوم عليها ليس هجوما على موقف فلسفي معين، بل هو هجوم على العلم ذاته.

51

واضح أن هذا على أساس النظرة إلى العلم المتسلحة بالوعي التاريخي؛ لأن اللامقايسة قرينة التناول التاريخي للعلم ونتيجة من نواتجه، ومن ثم يتقد دفاع فييرآبند عن كليهما معا.

وبعد هذا يزعم فييرآبند في عمل متأخر له أنه لا يروم من اللامقايسة إسهاما إيجابيا، بل هي أساسا لنقد وتبيان الخطأ في تصور شائع للتفسير العلمي ورد العلوم إلى الفيزياء؛ هذا لأن اللامقايسة تشير إلى جوانب في التغير العلمي والتقدم لا يمكن الإحاطة بها عن طريق تلك النظرة في الرد - وهو يقصد نظرة الوضعية المنطقية. ويؤكد فييرآبند أن اللامقايسة لا تمثل أية مشكلة للعلوم المختلفة ولا لسواها، إنها مشكلة فقط بالنسبة لبعض فلسفات العلم المفرطة السذاجة - وهو يقصد العقلانية الخالصة والعقلانية النقدية كفلسفة بوبر! ثم إن اللامقايسة - والحديث ما زال لفييرآبند - استشرت بصورة رهيبة وأصبحت ملمحا أصيلا من ملامح كل فكر مبدع خلاق، ومن ناحية أخرى سرعان، ما أصبحت تستخدم لتعليل افتقاد التفاهم بين الثقافة العامة وبين العلم. ويزعم فييرآبند أيضا أن هذا محض هراء. بيد أن مزاعم فييرآبند المتأخرة لا حد لها، ولا ينبغي أخذها جميعا مأخذ الجد، والحق الصراح أنه أكثر الجميع تأكيدا على اللامقايسة، وتطرفا فيها، فلم تعد معه فقط بين نموذجين متتاليين في تاريخ العلم، بل أصبحت بين أي نظريتين.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢٤