تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

W

وهناك الجسيم

Z

إلا عن طريق تأويل لمعطيات الملاحظة التجريبية، تأويلا يستخدم أفكارا فيزيائية معينة، هي فرض وجود هذين الجسيمين الذي تقدم به العالمان المذكوران عام 1984م، ونالا عنه جائزة نوبل.

47

هكذا نجد أنه لا معنى لملاحظات في حد ذاتها، وأيضا لا معنى للفرض في حد ذاته، إنهما كل متكامل أو كيان واحد.

وبهذا يسفر تطور نظرية المنهج العلمي عن صيرورة جدلية، فقد كانت الاستقراء الذي يبدأ بالملاحظة، ثم انقلبت إلى النقيض الذي يبدأ بالفرض. وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين اتخذت نظرية المنهج العلمي صورة المركب الجدلي الذي يجمع خير ما في هذين النقيضين ويتجاوزها إلى الأفضل، إلى نظرة ترى الفرض والملاحظة كلا متكاملا.

وبهذا؛ فإن سؤال التجريبية التقليدي عن المنهج العلمي، وكيفية الانتقال من الملاحظة إلى النظرية أو العكس، قد بدا وكأنه وجد إجابته، وآتت أكلها، فاستنفد ذاته ولم يعد مطروحا.

لعل هذه هي الدلالة العميقة جدا، الكامنة في الأعماق والمطمورة، لكتاب فييرآبند البالغ الخطورة «ضد المنهج: مخطط تمهيدي لنظرية فوضوية في المعرفة»، صدرت طبعته الأولى عام 1975م ليحدث بلبلة شديدة، وتتوالى طبعاته وترجماته إلى لغات عديدة، وهي الدلالة التي تجعلنا نعتبره بمثابة المسمار الأخير في نعش تلك النظرة التبريرية اللاتاريخية للمعرفة العلمية وسؤالها المركزي.

الدعوى الأساسية لهذا الكتاب تأكيد لتلك المحصلة، وهي أن السؤال عن المنهج سؤال زائف، وأن العلم لم يكن أبدا أسير منهج واحد محدد، بل هو مشروع فوضوي

Anarchic Enterprise ، أي لا يعترف بأية سلطة، وكل المناهج يمكن أن تجدي فيه،

48

تبعا لشعار فييرآبند الشهير: كل شيء مقبول

Anything goes . وكانت أسانيد فييرآبند الأساسية في فحص تسلسل الأحداث الكبرى التي شكلت تاريخ العلم ليوضح أنها لم تأت عن طريق منهج واحد محدد، بل مناهج عديدة، وانكب فييرآبند على تأكيد التعددية المنهجية، كل منهج مقبول على الرحب والسعة طالما يلائم طبيعة المشكلة المطروحة للبحث، فيؤدي إلى حلها والإضافة إلى رصيد العلم. أما تكبيل البحث العلمي بمنهج واحد محدد، فهذا ضد الإبداع يخنق روحه الضرورية للإنجاز في العلم، والإجماع على رأي واحد - بشأن منهج واحد - يناقض طبيعة نشاط عقلاني على الأصالة كالعلم التجريبي.

من هنا كانت نظرية فييرآبند الميثودولوجية هي «التعددية المنهجية» التي هي ذاتها الفوضوية أو اللاسلطوية المعرفية، فإن شئنا عنوانا لفلسفته للعلم فهو «العقلانية الفوضوية» التي ترفض بشدة تنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، وترفض أيضا تنصيب السلطة المعرفية للعلم بالذات! على أساس أن التقدم المعرفي يأتي عن طريق إطلاق طاقات الإبداع والخلق والابتكار، وليس البتة بالتشديد على اتباع منهج معين، أو اقتفاء خطى نظام معرفي محدد دون سواه.

وكما يؤكد فييرآبند - بجرأة يحسد عليها - ليس العلم نظاما معرفيا مقدسا يستلزم الكفر بكل ما عداه أو خالفه، إنه نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى. وعلى الرغم من أن العلم ليس البتة دينا، فإننا نعامله من منطلق الإجلال الديني، من نظرة تقديسية تنظر إليه وكأنه كيان لا يدانيه إلا الحق المطلق والخير المطلق، بل أيضا - ولا ينبغي أن نندهش - الجمال المطلق! فتمثيل العلم للجمال المطلق دعوى مرفوعة منذ فيثاغورث وحتى أبرزتها المدرسة الاصطلاحية التي تعامل النظرية العلمية بالمعايير الأستطيقية الجمالية، لكنه الجمال الذي لا يتذوقه إلا الذكاء العلمي بتعبير هنري بوانكاريه.

هذه النظرية التقديسية للعلم ازدادت جمودا وتحجرا على يد فلسفات العلم الوضعية الضد تاريخية، التي ترفع العلم فوق التاريخ. ثم أوتي فييرآبند الجرأة على هتك الحجاب المقدس الذي طالما اتشح به العلم الحديث، وكأنه ليس نشاطا إنسانيا وليس واحدا من إنجازات حضارية عديدة. ولم يكن هذا الهتك من أجل نفي العلم، كما تفعل الفلسفات الضد علمية كالرومانتيكية مثلا، بل من أجل استبصار أعمق لمضامين العلم ووظائفه وحدوده وإطلاق الطاقات التقدمية فيه ... إلى آخر هذه المهام التي لا يضطلع بها إلا فلاسفة العلم المحترفون، المخلصون له أكثر من سواهم.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢٣