Relativism
التاريخية للمعرفة العلمية، لا مطلقيتها المنطقية، والنظرة التكاملية لفلسفتها لا المحض إبستمولوجية، تأكيدا لأنسنة الظاهرة العلمية.
وربما كان أهم هؤلاء وأكثرهم بروزا واستحقاقا للذكر، فيلسوف العلم الثائر المشاغب باول فيبرآبند
P. K. Feyerabend (1924-1994م) الذي يمثل ظاهرة فريدة حقا في فلسفة العلم والفلسفة بأسرها والحضارة الغربية ذاتها، يريد أن يحمي العلم من شوفونية الروح العلمية وطغيانها، والفلسفة من أساتذتها المحترفين إياها، والحضارة الغربية من توجهها الغربي! ومهما أثارت جنوحاته الشاردة من دهشة، ومهما تكشفت كتاباته المندفعة عن تفاصيل يصعب قبولها - بل يصعب التوفيق بينها! وتثير جدلا لا ينتهي، فإنه يظل من أهم شخوص فلسفة العلم في مرحلتها الراهنة، ويهمنا من أمره أنه وضع المسمار الأخير في نعش النظرة اللاتاريخية للعلم، وبلغ الوعي التاريخي بالعلم معه انطلاقة لا تحدها حدود.
بادئ ذي بدء، لا بد من محاولة لتوضيح المقصود من أن فييرآبند قد وضع المسمار الأخير في نعش النظرة اللاتاريخية للعلم.
في هذا نلاحظ مجددا ما بيناه سابقا من أن هذه النظرة اللاتاريخية هي ذاتها الانشغال بمنطق تبرير المعرفة العلمية كمنجز راهن، وهذا التبرير يكمن أصلا في العلاقة بين الملاحظة التجريبية والنظرية العلمية، وهي علاقة يمكن أن تحكمها خطوات المنهج العلمي. ومن ثم شاع التصور آنذاك أن فلسفة العلم هي ذاتها نظرية المنهج المعنية بخطواته. وكان هذا المنهج هو الاستقراء الذي يبدأ بالملاحظات أو الوقائع التجريبية ليعممها ويصل منها إلى القانون العلمي.
ثم كان تطور نظرية المنهج على يد كارل بوبر ليمثل المسمار الأول في نعش النظرة التبريرية اللاتاريخية، حين انتقل بالمنهج من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم. كثف بوبر جهوده تكثيفا لقلب النظرة الاستقرائية رأسا على عقب، وأسرف في التأكيد على أن البدء ليس بالملاحظة التجريبية وأصبح المنهج التجريبي هو المنهج الفرض الاستنباطي الذي يبدأ بالفرض ثم يختبره عن طريق التجريب، كما سبق أن بشر هيوول. وكان هذا انقلابا من النقيض إلى النقيض، فانحلت كثير من الإشكاليات المنهجية التي تجسدها مشكلة الاستقراء، أي استحالة تبرير القفزة التعميمية من ملاحظات محدودة إلى قانون كلي. ثم واصلت فلسفة العلم مسارها بتصورات من قبيل النموذج الإرشادي مع توماس كون وميثودولوجيا برامج البحث مع إمري لاكاتوش، والاستراتيجيات العقلية مع ستيفن تولمن ... وهي تصورات توضح كيف أن الوقائع التجريبية لا تتحدد إلا في ضوء النظرية العلمية، والنظرية بدورها لا تتعين بدون الوقائع، بمعنى أن قطبي الموقف العلمي - الوقائع التجريبية والنظرية العلمية - ليسا طرفين متقابلين، نضع كلا في واد ثم نبحث عن العلاقة بينهما وأيهما يؤدي إلى الآخر وأيهما الأسبق. إنهما كل واحد متعضون في إطار متكامل، قد يقبل هذا الإطار، أو يرفض ويتم الانتقال إلى إطار آخر أكثر تقدمية. والحق أن واقع البحث العلمي الآن يؤكد هذا. ويضرب بولكين هورن مثالا يوضحه وهو اكتشاف الجسيمين الذريين
Z
و
W
وهما وسيطان في القوى النووية الضعيفة. وكان ثمة اثنان من زملاء بولكين هورن الباحثين في فيزياء الجسيمات الأولية هما كارلو روبيا
C. Rubbia ، وسيمون فان دير مير
S. V. Der Meer ، عملا في إطار فريق بحثي كبير، استخدم مصفوفة واسعة ومترابطة من الكواشف الإلكترونية للنشاط الإشعاعي، وتحليلات الكومبيوتر هي التي يمكنها تقييم ما تشير إليه هذه الكواشف. إنها معطيات الملاحظة الحسية أو المادة التجريبية الخام، بيد أنها في حد ذاتها لا تعني شيئا البتة، ولا تدل على شيء محدد، وما كان يمكن الإعلان بأن هنا الجسيم