تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

وهذه الرؤى الثلاث كما حددها بوبر، هي أولا نظرية العلم - أو الميثودولوجيا بمصطلح لاكاتوش - الجاليلية التي سادت بفضل جاليليو منذ القرن السابع عشر وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر، وترى هدف العلم في الوصول إلى نظريات هي توصيفات صادقة ويقينية عن طريق تعميم الملاحظات التجريبية، أي إنها المذهب الاستقرائي، وإن كان بوبر ينحو به نحو ما أسماه الماهوية

Essentialism (راجع [الفصل الأول: العلم بين فلسفته وتاريخه - أولا: علاقة متوترة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم])، أي بلوغ ماهيات الأشياء وحقائقها الثابتة. والمذهب الثاني هو الأداتية الاصطلاحية، وبوبر يشبعهما مقارنات وتحليلات وتمحيصا ونقدا وتفنيدا. أما خصمه الخصيم، أي الوضعية المنطقية، فهي موزعة بين هذين الاتجاهين، فهي استقرائية لكن ليست ماهوية. وبعض الوضعيين المناطقة أخذوا بالاتجاه الأداتي. وبوبر بعد أن أشبع الاستقرائية والأداتية الاصطلاحية تمحيصا ونقدا، يعرض لوجهة النظر الثالثة بشأن المعرفة الإنسانية وهي النظرة الخاصة به، أي التكذيبية. فلا غرو من أن يسير لاكاتوش على نفس المسار ويضع بجوار هذه النظريات الثلاث نظرية رابعة هي الخاصة به - ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية - ويحاول إثبات أن نظريته تضوي تحت لواء التاريخ الداخلي العقلاني مساحة من وقائع وأحداث تاريخ العلم، أوسع من المساحة التي تستطيعها التكذيبية البوبرية. فهكذا يتصور أنه صاحب أنجح فلسفة للعلم، حتى مثل تقدما عن رائده كارل بوبر.

وبطبيعة حال الفلسفة تعرض لاكاتوش للنقد والأخذ والرد. رفض كثيرون اعتبار الخط الفاصل بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي للعلم متحركا هكذا، ورفض آخرون أن تكون الميثودولوجيا إبستمولوجية ومنطقية معيارية، ثم تتخذ التاريخ محكا لها ومعيارا لتقويمها، لم يمهله رحيله المفاجئ للرد عليهم جميعا. ولكن يكفي تماما أنه مع لاكاتوش تمايزت ثلاثة مقومات جوهرية في اعتبار الظاهرة العلمية، وهي:

أولا:

المعايير المنطقية والميثودولوجية.

وثانيا:

التاريخ الداخلي أو نمو المعرفة الموضوعية العقلانية، أي التقدم الإبستمولوجي.

وثالثا:

العوامل الإمبيريقية السوسيوسيكولوجية الخارجية، التي ليست بعوامل عقلانية.

لقد نجح لاكاتوش في هدفه، كما حدده لنفسه، وهو إيضاح كيف يمكن لفيلسوف العلم أن يتعلم من تاريخه، مثلما يلزم على مؤرخ العلم أن يصغي بانتباه لفلسفته، ويعين النظرية الفلسفية التي سوف يرتكز عليها في تأريخه، مع ملاحظة أن كل ميثودولوجيا يجب أن تفصل بأساليبها الخاصة بها بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي للعلم. ومؤرخو العلم وفلاسفته على السواء عليهم أن يستفيدوا لأقصى درجة من التفاعل النقدي بين عوامل التاريخ الداخلي وعوامل التاريخ الخارجي للعلم. وفي النهاية يذكر لاكاتوش القارئ بدعابته المفضلة، وهي أن تاريخ العلم صورة كاريكاتورية من إعادة بنائه العقلانية التي هي بدورها صورة كاريكاتورية لتاريخه الفعلي،

46

وهذه الدعابة تجسد إلى أي حد لم تعد المسألة مجرد حلول الوعي التاريخي، بل هي توشج وتشابك تاريخ العلم مع فلسفته، حتى أصبحا وجهين لعملة واحدة يحيل كل منهما للآخر. فحق اعتبار فلسفة لاكاتوش ذروة الوعي التاريخي في فلسفة العلم.

خامسا: انطلاقة الوعي التاريخي: باول فييرآبند ... والطريق الجديد

انتشر في أوساط فلسفة العلم وعمر أرجاءها فلاسفة كثيرون، أجادوا استيعاب الدرس التاريخي الذي كثفه إمري لاكاتوش، واصلوا المسار البوبري - الكوني الضد وضعي؛ ليدعموا المرحلة التالية من فلسفة العلم، المتحررة من قصورات الوضعية المنطقية وتطرفاتها وحيوداتها التي ترتد إلى حد كبير لنزعة الوضعية اللاتاريخية، ومؤكدين لمنطق الكشف والنماء والتغير والتقدم والثورة، لا مكرسين لمنطق تبرير المعرفة وإثبات الصحة، وقد تأدى هذا إلى رفع لواء النسبية أو بالأحرى النسبوية

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢١