تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما هو معروف، الحياد المطلق مستحيل في التأريخ. ولما كان المؤرخ - أي مؤرخ - ينزع إلى إعادة ترتيب الأحداث ... إلى إعادة بناء موضوعه، كان من العسير أن يشرع أحد في التأريخ للعلم بدون فلسفة للعلم ... بدون نظرية في إعادة بنائه العقلاني، سواء أكان المؤرخ على وعي بهذا أم لا. وكما أوضح لاري لوضان، ربما كان تاريخ العلم كوقائع حدثت مسألة محايدة، لكن المؤرخ يسجلها على أساس فلسفي، ولإحراز أهداف فلسفية.

42

ويلاحظ لوضان أن لاكاتوش يفترض إمكانية المقارنة بين التاريخ الواقعي الفعلي وبين إعادة بنائه عقلانيا، فيتساءل: هل من الضروري إذن تلفيق تاريخ العلم لكي نفهمه؟! ولكن ليست المسألة تلفيقا بل هي تعامل وتحاور مع وقائع غفل كمدركات كانط الحسية، مع مادة خام، من أجل تنميطها وتفسيرها والاستفادة منها واستخلاص دلالة التقدم، حتى اعتبر لاكاتوش الميثودولوجيا «نظرية فيما وراء التاريخ

Metah historical »، إنها كما أوضحنا برنامج بحث في تاريخ العلم وإطار لترسيمه، بمصطلح لاكاتوش الحرفي: محاولة لإعادة بنائه عقلانيا.

وما دامت فلسفة العلم «الميثودولوجيا» تضطلع بهذا الدور المحوري والعبء في تأريخ العلم، حق إذن قول لاكاتوش: إن تاريخ العلم بدون فلسفته أعمى أو عماء، إنهما وجهان لعملة واحدة كي تظل صالحة للتداول وأداء الوظائف المنوطة بها.

وإذا انتقلنا إلى الوجه الآخر للعملة، أي دور تأريخ العلم في فلسفته والذي بدونه تصبح هذه الفلسفة خواء، لوجدنا لاكاتوش يؤكد أن تاريخ العلم هو محك اختبار الميثودولوجيات؛ أي نظريات فلسفة العلم، إن تقويم الميثودولوجيتين المتنافستين والفصل بينهما يكون عن طريق تاريخ العلم الذي استطاعت الميثودولوجيا المعنية أن تخضعه لتأويلها العقلاني؛

43

وكلما نجحت في تأويل قطاع أكبر من تاريخ العلم الفعلي تأويلا عقلانيا؛ أي بوصفه تاريخا داخليا إبستمولوجيا، كلما كانت أفضل. الميثودولوجيا الضعيفة هي التي تلقي بكثير من الأحداث في إطار التاريخ الخارجي التجريبي أو السوسيوسيكولوجي. لذلك يرى لاكاتوش أن الخط الفاصل بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي يختلف من ميثودولوجيا لأخرى. الميثودولوجيا في حد ذاتها يصعب نقدها لأسباب عديدة، لكن يمكن نقدها على أساس هذا المحك التاريخي.

وبالفعل انكب لاكاتوش على تطبيق المحك التاريخي في نقد الميثودولوجيات الأربع الكبرى، أركان فلسفة العلم، ويخلص إلى أن نظريته - ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية - هي الأفضل! لأنها تنجح في تفسير القطاع الأعظم من الوقائع والأحداث في إطار التاريخ الداخلي العقلاني. فإذا كانت البوبرية التكذيبية تفوق الاستقرائية في هذا، فإن ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية تفوق البوبرية؛ لأن هذه الأخيرة، أي البوبرية ترى - مثلا - أن التشبث بنظرية ثم تفنيدها مسألة لا عقلانية، فتنأى به البوبرية عن الإبستمولوجيا، وتلقي به في التاريخ الخارجي للعلم، ولكن هذا يمكن أن يتحول في ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية إلى تاريخ داخلي هو دفاع عقلاني عن برنامج بحث لا يزال واعدا. ولعل لاكاتوش يقصد بهذا المثال النظرية الماركسية بالذات، فموقفه منها ذو شئون وشجون.

44

وخلاصة القول: إن معيار قبول نظرية فلسفة العلم أو الميثودولوجيا إنما هو في قدرتها على إرشاد مؤرخ العلم، والنظرية الأفضل هي التي تتمخض عن إعادة بناء أشمل لعقلانية العلم، أي لتاريخه الداخلي.

وها هنا تجدر إشارة تفيد في إيضاح الصورة العامة لتفكير لاكاتوش وإطار فلسفته. إنه منذ البداية يطرح قضاياه ومعالجاته لفلسفة العلم في حدود أربع ميثودولوجيات تمثلها، هن أولا الاستقرائية التحقيقية، وثانيا الاصطلاحية والأداتية، وثالثا التكذيبية البوبرية. ورابعا وأخيرا المذهب الخاص به وهو ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية. وفي هذا لا يمكن تجاهل دراسة رائده كارل بوبر الهامة «ثلاث وجهات للنظر بشأن المعرفة الإنسانية»،

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢٢٠