تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هناك أولا النزعة الاستقرائية، أي المذهب الاستقرائي

Inductivism

الذي يضوي تحت لوائه التجريبية المتطرفة والوضعية المنطقية، حيث يتحول التاريخ الداخلي للعلم إلى وقائع تجريبية صلبة تعقبها تعميمات استقرائية. وهناك - ثانيا - مذهب الاصطلاحيين

Conventionalism

والأداتيين ليتحول تاريخ العلم إلى تشييد لأنساق مفتوحة، حيث النظرية تحل محلها نظرية أخرى أبسط منها تبعا لولع الاصطلاحيين بمعيار البساطة. وخلاصته أن أبسط تفسير يتفق مع الملاحظات المتعلقة بالموضوع هو الصحيح على الأرجح، وهو المفضل عن سواه. كانت البساطة من مسلمات التفكير العلمي وفلسفة العلم بصفة عامة، إلا أنها تكتسب أهمية خاصة عند الاصطلاحيين والأداتيين كما رأينا، حيث تعني القدرة على تبسيط الظواهر التي هي معقدة. والتبسيط هنا لا يخلو من مغزى أستطيقي جمالي. وكما أشرنا إبان الحديث عن الأداتية، تحتكم المدرسة الاصطلاحية إلى معايير منطقية وجمالية، أما الوقائع التجريبية ذاتها فتقبل أو ترفض بقرار منهجي تبعا لتلك المعايير. ومن هنا نتفهم ولع الأداتيين بمعيار البساطة في المفاضلة بين النظريات، إنه يلبي المطلبين المنطقي والجمالي. لكل ذلك يذهب إمري لاكاتوش إلى أن تاريخ العلم معهم سوف يصبح تاريخ انتصارات معيار البساطة. أما عند الفريق الثالث، وهم التكذيبيون البوبريون، فإن التاريخ الداخلي العقلاني للعلم هو تاريخ الحدوس الجريئة وتصويبها لتكتسب محتوى متزايدا، والأهم اللحظات الدراماتيكية الكبرى لتكذيبها وتفنيدها، وظهور حدوس أجرأ وأغزر في المحتوى المعرفي ... إلخ، ثم يجعل لاكاتوش مذهبه الخاص به - أي ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية - ممثلا للاتجاه الرابع والأخير، وهو اتجاه يؤكد على المنافسة طويلة المدى نظريا وتجريبيا بين برامج الأبحاث ومتغيرات المشاكل التدهورية والتقدمية، ثم النصر الذي يبزغ رويدا رويدا لبرنامج بحث تقدمي على آخر تدهوري.

كل واحدة من هذه الميثودولوجيات الأربع - وسواها - تعطينا نمطا معياريا للنمو العقلاني للمعرفة العلمية. إنه التاريخ الداخلي الإبستمولوجي الخالص، ويستحيل أن يكون كاملا شاملا. التاريخ الفعلي للعلم دائما أكثر ثراء وحيوية؛ لأن البشر ليسوا كائنات عقلانية خالصة، بل تتنازعهم عوامل أخرى لا عقلانية، لا إبستمولوجية، تجعل الأبحاث في نظرية مندل الوراثية - مثلا - تختفي تماما من روسيا السوفيتية في الخمسينيات، أو بعض الأبحاث ذات الأغراض العرقية العنصرية تزدهر في أماكن أخرى من العالم الغربي. ويمكن أن نبحر إلى مدى أبعد ونتوقف عند دور الكنيسة الكاثوليكية في تثبيط حركة العلم إبان العصور الوسطى.

41

والواقع أن دور العوامل الخارجية اللاعقلانية في ترسيم تاريخ العلم الفعلي أكبر مما نتصور. وتكفي الإشارة إلى أن علم الفلك نشأ عن التنجيم، مثلما نشأت الكيمياء عن السيمياء أو محاولات تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. لذلك فإن أية فلسفة للعلم - أي أية ميثودولوجيا لإعادة بنائه العقلاني - لا بد من تزويدها بالتاريخ الخارجي للعلم الذي هو التاريخ التجريبي المعني بالجوانب الاجتماعية والنفسية لظاهرة العلم، أو ما يسميه لاكاتوش بالتاريخ السوسيوسيكولوجي للعلم. نعم، التاريخ الداخلي الإبستمولوجي هو الأولى والمبدئي والأكثر حسما، والتاريخ الخارجي ثانوي وفي منزلة أدنى، لكنه ضروري لكي تتكامل النظرة إلى العلم - أو لبرامج أبحاثه بتعبير لاكاتوش.

إن التاريخ الداخلي العقلاني الإبستمولوجي المعياري يؤول أحداث التقدم العلمي، ثم يعطي التاريخ الخارجي التجريبي السوسيوسيكولوجي تفسيرا - ليس عقلانيا - لتسارعها أو تباطؤها أو حلولها في مكان معين أو حدوثها دون سواها ... إلخ. وأيضا حين تختلف بعض جوانب التاريخ الفعلي للعلم عن محاولة إعادة بنائه عقلانيا - أي عن فلسفته أو نظريته الميثودولوجية - يمكن للتاريخ الخارجي أن يفسر هذا الاختلاف.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢١٩