تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفضلا عن النواة الصلبة والحزام الواقي، يحتوي برنامج البحث أيضا على موجه مساعد على الكشف

heuristic ، يعين القواعد المنهجية ويرسم مسار عمل العلماء. وكان وليم هيوول العظيم قد استخدم مقولة الموجه المساعد على الكشف فيما أسماه فن الكشف

Art of Discovery

الذي يعني شيئا قريبا من الميثودولوجيا، لكن لاكاتوش جعله ينقسم إلى موجه إيجابي وموجه سلبي، الموجه الإيجابي هو التصميم العام لبرنامج البحث، يساعد العلماء على تحديد المشكلات التي ينبغي حلها، والموضوعات المطروحة للبحث والقواعد العامة والطرق المعتمدة ... ربما يبالغ لاكاتوش إلى حد ما في تقدير قيمة وفعالية الموجه الإيجابي، لكن هناك أيضا الموجه السلبي الذي يدافع عن النواة الصلبة، إنه يؤدي إلى تكون منظومة الفروض المساعدة التي تشكل الحزام الواقي، ويحول دون تسرب نظريات لا علمية أو ضعيفة أو متناقضة مع برنامج البحث المعمول به. ويضرب لاكاتوش مثلا على هذا بالميتافيزيقا الديكارتية، حيث افترض ديكارت أن العالم كساعة مهيبة ونسق من الدوامات، يرى لاكاتوش أنها كانت موجها سلبيا للكشف بالغ الفعالية في مراحل تأسيس العلم الحديث، أحبطت وناوأت نظريات ضد علمية كالنظرية الحيوية ونظرية التأثير عن بعد وسواها من نظريات لا تتسق مع برامج العلم الحديث. وبنفس القدر كانت الميتافيزيقا الديكارتية موجها إيجابيا بشأن نظرية نيوتن. وبعبارة موجزة، الموجه الإيجابي يرشد العلماء إلى ما ينبغي أن يحتذوه، والموجه السلبي يرشدهم إلى ما ينبغي أن يتجنبوه. وفي إطار هذا وذاك تبقى النواة الصلبة، بينما يتعدل ويتكيف الحزام الواقي أو يستبدل به. وبرنامج البحث ناجح ويظل تقدميا بقدر ما يكشف كل تعديل فيه - أو بالأحرى في حزامه الواقي - عن تنبؤات جديدة، ويسفر عن طرح مشاكل أخرى أبعد مراما. إذا كف برنامج البحث العلمي عن هذا، وزاد محيط الظواهر الشاذة التي يعجز عن تفسيرها مهما زودنا حزامه الواقي بفروض مساعدة، فإنه يصبح برنامج بحث تقهقريا متدهورا، وهنا تبرز الحاجة إلى تغيير النواة الصلبة ذاتها، أي ترك برنامج البحث بأسره والانتقال إلى آخر تقدمي، نشأ في محيط تلك الشذوذات، ولكنه استطاع أن يحولها إلى أمثلة معززة، فالموجه الإيجابي المساعد على الكشف فيه يفتح طرقا لاستيعاب تلك الظواهر الشاذة.

على هذا النحو يترسم تاريخ العلم مع إمري لاكاتوش عبر انتقالات متوالية من برنامج بحث أصبح تقهقريا متدهورا إلى آخر تقدمي واعد. تلك هي نظرته لتاريخ العلم الداخلي عبر حركية برامجه، أو هي محاولة لاكاتوش لإعادة بنائه من حيث هو معرفة عقلانية متنامية. فكل فلسفة للعلم - فيما يؤكد لاكاتوش - بمثابة إعادة بناء عقلانية لتاريخ العلم الداخلي.

بينما تركز اهتمام توماس كون على دور تاريخ العلم في فلسفته، تميز لاكاتوش بأنه اهتم بهذا، واهتم أيضا بدور فلسفة العلم في تاريخه، أو بالأحرى في تأريخه، أي أنه اهتم بالعلاقة التبادلية بين الطرفين.

تبين لاكاتوش جيدا أن فلسفة العلم - أو ميثودولوجيته بمصطلحاته - لم تعد قواعد وطرقا لحل المشاكل العلمية كما كان يأمل فلاسفة القرن التاسع عشر، ولم تعد مجرد تبرير للمعرفة العلمية، إنما هي نظريات في العقلانية العلمية ومعايير لتمييز العلم أو تعريفه، ومحكات لقبول ورفض النظريات العلمية

40

تحاول أن تعطي صياغة لنمو المعرفة العلمية الموضوعية، أي للتطور العقلي الخالص؛ لذلك كانت فلسفة العلم أو ميثودولوجياته صياغة لعقلانية التقدم العلمي، أي نموه الإبستمولوجي الذي هو تطور عقلاني خالص.

ولما كانت فلسفة العلم تزودنا بتفسير عقلاني لنمو المعرفة الموضوعية العلمية، فهي إذن تزودنا بنظريات منهجية أو ميثودولوجية معيارية تشكل إطارا نظريا، في حدوده يستطيع المؤرخ إعادة بناء التاريخ الداخلي للعلم الذي هو تاريخ العقلانية. كل فلسفة للعلم هي ميثودولوجيا، هي محاولة لإعادة بنائه عقلانيا، هي خطوط معيارية ترشد مؤرخ العلم وتوجه خطاه. وانكب لاكاتوش على تخطيط عام واستعراض للميثودولوجيات أو المذاهب الأربعة الكبرى في فلسفة العلم، أي الصياغات الرئيسية لعقلانية التقدم العلمي بوصفها برامج بحث في تاريخ العلم، تحدد للمؤرخ المنظور الذي يتخذه والمعالم التي يتوقف عندها وانتقاءه أحداثا معينة.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٢١٨